الإنسان هو معجزة الخالق وأكثر من ان يكون مجرد حواس وعيون وآذان وانف ولسان وجلد بل هو عقل ونفْس ووجدان فالبصيرة هي المعيار والمقياس لإنسانية الإنسان التي من شأنها تجعله يفهم ما يقرأ ويتقن ما يعمل فالعمى الفكري هو القضية الأهم عندما تختل بوصلته وتتبعثر بصيرته ويتراجع إتقانه ويضعف إنجازه مما ينعكس سلبا على الصعد كافة..

فما أحوجنا الى إلتقاط الأنفاس بعيدا عن الضغوطات العملية بروتينها المستمر لاستعادة التوازن النفسي ولهذا ترانا ننتظر الإجازة هذه الكلمة السحرية المحببة للجميع، لكونها تكسر حالة الملل وتخلّصنا مؤقتا من المسؤوليات من وقت لآخر.. فالشعور الجيّد تجاه الإجازة لا يعني مطلقًا تفضيل الكسل وعدم الجدّية والرغبة في الهروب من الواجبات، بل هو حالة طبيعية تعكس مطالبة أجهزة الجسم بالتوقف قليلًا لشحن الطّاقة..

ولهذا بدأنا نسمع وبكثافة عن التوجه العالمي لتقليص ايام العمل الأسبوعي من خمسة الى أربعة ايام، اقترحَتْه السياسية «سانا مارينا» بأيلول 2019 والتي اصبحت رئيسة وزراء فنلندا في كانون اول من العام نفسه. بهدف قضاء اوقات اطول مع افراد العائلة والحصول على قسط من الترفيه والتمكّن من السفر بعطلة اسبوع طويلة، كما تفتح المجال لممارسة الهوايات وتفجيرالإبداعات فيدبّ النشاط بالانسان وتتفتح من جديد براعم السعادة التي كثيرا ما تطأها ضغوطات العمل المتواصلة..

والإجازة لا تعني السفر و"ضبّ» الشنط ومغادرة المكان الى آخر قريب او بعيد بل هنالك أنواع متعددة للإجازات مثل: أخْذ إجازة من المسؤوليات، تقضية الوقت بعمل «لا شيء» على الإطلاق، الانفراد والجلوس مع النفس فقط، تخصيص اوقات للإبداع، التفاعل مع الطبيعة، تدليل النفس، السفر، الهدوء، السّكون، الضحك، اللعب، تخصيص وقت للاعتناء بالنفس، ووقت للإلهام..

فعطلة نهاية الأسبوع الطويلة تتيح للموظفين الفرصة لارتياد صالة الألعاب الرياضية وإنهاء الأعمال المنزلية اليومية، ورعاية الأطفال..

علاوة على ان وقت الفراغ عنصر لا غنى عنه لكي تنمو السوق الاستهلاكية بدوران العجلة الاقتصادية بين عرض وطلب لأن الأشخاص العاملين يحتاجون الى وقت حُرّ كاف ليستخدموا فيه السلع الاستهلاكية..

ففنلندا معروفة بريادتها في مجال التعليم والتعلم والابداع ولا عجب ان تتبعها دول اخرى متعددة لتقليص ساعات العمل الأسبوعي فتعلن أسكتلندا منذ أيام بانها ستتبع نفس التقليص العملي ليعتنوا بحياتهم الشخصية والعائلية علاوة على ان مؤسسات كثيرة عالمية بدأت التجربة واثبتت نجاعتها حيث ارتفعت نسبة الإنتاجية واتقان العمل بمجموع ساعات اسبوعية لا تتعدى 32 ساعة مما يدعم الاقتصاد المحلي والعالمي ويحفّز التفكير الابداعي واتقان العمل وزيادة الإنتاجية وانخفاض استهلاك الكهرباء..

وقد اعترف كل من خضع لهذه التجربة بتقليص ايام العمل الى الحد الذي خفّض معدل الإجازات المرَضِيّة وتحسّنت صحة الموظفين وساهم في تحسين إتقان الموظفين لعملهم مما رفع من مستوى الأداء ونسبة الأرباح..

واخيرا وليس آخراً

ترى.. هل ستتحفّز دول العالم الثالث التي هي بأمس الحاجة لاتقان العمل وتحسين الأداء لاتباع هذا النهج؟

ام سيطالب موظفوها بمُلحق إجازة اخرى ليستريحوا من عناء الإجازة الطويلة؟

hashem.nadia@gmail