لم تمضِ سوى أيام معدودات على «القمّة الهاتفية» الطويلة/90 دقيقة التي جرت بين الرئيسين الأميركي بايدن والصيني «شي»، والتي قيل بعدها كلام كثير وطويل يؤشر إلى رغبة الطرفين بتطبيع علاقاتهما المُتوترة, والتي وصلت إلى طريق مسدود وفق وَصف صيني سابق، نُقل فيه عن بايدن قوله: إنّ الجانب الأميركي مُستعد لإجراء المزيد من التبادلات الصريحة والمناقشات البنّاءة مع الصين، لتحديد المجالات الرئيسية وذات الأولوية التي يمكن التعاون فيها، وتجنّب سوء الفهم وسوء التقدير والصراع غير المقصود، وإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الصحيح»، بل زاد بايدن على ذلك «مؤكداً» أنّ الجانب الأميركي ليست لديه أيّ نية لتغيير.. سياسة صين واحدة».

فيما ذكّر الرئيس «شي» بمواقف بلاده من العلاقات الصينية/الأميركية, التي «مرّت بصعوبة بالغة لوقت طويل بسبب السياسة الأميركية تجاه الصين، الأمر الذي لا يخدم المصالح الأساسية لشعبَيّ البلدين، ولا المصالح المشتركة لدول العالم»، لافتاً إلى مسألة تواظب بيجين التذكير بها، وهي أنّ «الصين والولايات المتحدة هما على التوالي أكبر (دولة نامية) وأكبر (دولة متقدمة)، ما يعني إصرار الصين على تصنيف نفسها على رأس قائمة الدول النامية، أي انها لم تغادر ذلك التصنيف رغم ما حققته من نمو اقتصادي/تنموي واجتماعي غير مسبوق.

نقول: لم تمضِ سوى أيام قليلة على تلك «القمة الهاتفية» حتى عاد ملف «تايوان» إلى الواجهة، بما هو أحد ملفات المواجهة «العسكرية» المُتوقَعة بينهما. إذ وفي لهجة صينية حادة محمولة على تهديد بعواقب «وخيمة» قد تأخذ طابعاً عسكرياً وحصاراً على الجزيرة «المتمردة» التي تراها الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها السيادية، خصوصاً أنّها اندرجت في إطار «صين واحدة» والذي بموجبه تمّ إقامة/تطبيع العلاقات بين البلدين سبعينيات القرن الماضي، وتمّ أيضاً استبعاد «الصين الوطنية» الاسم, الذي تمسكت به واشنطن والدول الغربية الحليفة، بتمكينها من الاحتفاظ بالمقعد الدائم في مجلس الأمن، رغم أن عديد سكانها بعد لم يتجاوز عشرين مليون نسمة، فيما بقيت الصين «مليارية السكان» خارجه, إلى أن استعادت هذا المقعد الذي يمنح «الفيتو» شاغِله مكانة ودوراً وتأثيراً على مستوى العالم.

وإذا كانت الولايات المتحدة واصلت إمداد تايوان بالأسلحة المتقدمة وتحريضها عدم الرضوخ للتهديدات الصينية حال حاولت «إعلان الاستقلال»، ناهيك عن استفزازات واشنطن.. بيجين عبر مرور حاملات الطائرات الأميركية في مضيق تايوان/بحر الصين الجنوبي, وإعلان أنّها إنّما تمرّ من مياه دولية وليس من مياه الصين الإقليمية، ثم قيام الأخيرة بمناورات عسكرية بالذخيرة الحيَّة وتحليق أسراب عديدة من طائراتها الحربية في سماء تايوان، فإن التحذير الصيني الأخير/والطازج الذي صدر أمس, من «عواقب» سياسية واقتصادية وخيمة إذا سمحت واشنطن للجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تغييرَ اسم مكتبها التمثيلي في واشنطن، ذلك كله يؤشر إلى أنّ احتمالات تخفيض التوتر بين واشنطن وبيجين تبدو غير واردة، خاصة أن صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية نشرت تقريراً يتحدث عن أن إدارة بايدن تدرس السماح بتغيير اسم المكتب التمثيلي لتايوان من «مكتب التمثيل الاقتصادي والثقافي لتايبيه», ــ وتايبيه عاصمة تايوان.. إلى «المكتب التمثيلي لتايوان».

الصحف الصينية بدورها «حذّرت أن مثل هذا التغيير من شأنه أن يُغضِب بيجين بشدة، ويثير ردّ فعل عسكري واقتصادي شديد».. تحذير واضح يتحدّث عن «خياريْن».. عسكري وخصوصاً اقتصادي يصل إلى فرض حصار صيني اقتصادي على الجزيرة، إضافة إلى ما شددت عليه تلك الصحف التي تنطق باسم الحزب/والدولة، أن «تغيير الولايات المتحدة وتايوان للاسم سيعني تجاوز الخط الأحمر لقانون «مكافحة الانفصال الصيني", والإجراءات العسكرية الصارمة التي ستتخذها بيجين أنما تستهدِف «مكافحة غطرسة الولايات المتحدة وجزيرة تايوان».

ثمة طبول حرب تلوح في الأفق.. صحيح أنّ بيجين ستنتظر خطوة إدارة بايدن اللاحقة، لترى ما إذا كانت واشنطن ستصرف النظر عن المسألة أم أنّها ستمضي قدماً؟.. ربما لإبعاد الأنظار عن تداعيات فوضى الانسحاب/الهزيمة الأميركية/الأطلسية في أفغانستان، ما «سيجبر» الصين على ترجمة تهديداتها.. والبدء أقلّه «حصار تايوان».

kharroub@jpf.com.jo