أن يعكِف اختصاصي ونطاسي بارع مثل الدكتور كامل العجلوني, على «التّاريخ» للطبّ الحديث في الأردن وفلسطين منذ القرن التاسع عشر، وأن ينتهيَ ما خصص له من أوقات فراغ قصيرة بل وشبه معدومة في حياته العملية والشخصية إلى ثلاثة مجلدات ضخمة (صفحات كلّ مجلد فيها تُقارب الألف صفحة).. يكاد لا يترك شيئاً مما توفّر عليه من مراجع ومصادر وبعضها نادر, لا يملك المرء امام إصرار كهذا سوى ان يغبط د.العجلوني على صبره ومحاولاته التي لم تتوقّف للوصول إليها رغم الصعوبات التي واجهته، فلم ييأس أو يستسلم بل مضى مُدقّقا فيها مُستزيداً, ثمّ لا يلبث أن يقول للذين توفّرت لديهم نسخ من سفر العجلوني الجديد, أن «لا يبخلوا عليه بالنصيحة أو تصحيح الأخطاء إن وُجِدت, كي يقوم بمعالجتها في طبعات لاحقة».

ذلك يعني ضمن أمور أخرى أنّ طبيبنا الأكاديمي المُؤرخ في اختصاصه الطبي, والأكاديمي الباحث الذي حضّ طلبته على عدم الاكتفاء او الركون لما تسمعه آذانهم في المحاضرات والندوات أو «راوندات» المستشفيات ومدرجات الكلية, بل الذهاب إلى أبعد من ذلك بكثير عبر القراءة النقدية والمعرفية لأمهات المراجع والكتب العملية, حيث الفرصة متاحة للوقوف على جديد النظريات وآخر الاكتشافات وما توفّره التكنولوجيا من فرص، والابتكارات المبهرة وغير المسبوقة التي وفّرتها علوم النانوتكنولوجي والثورة الرقمية خاصة في علوم الجراحة واكتشاف الأمراض ومعالجتها بطرق حديثة.

لم تغب السياسة عن سفر الدكتور كامل العجلوني ومجلداته الثلاثة، ليس خوضاً فيها أو الدخول في سجال حول صراعات القوى الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين، بل وخصوصاً في التأشير على حال «الطبّ» وتاريخه في «بَلديّ» موضوع الكتاب وهما الأردن وفلسطين. فكان أن خصّص توطئة تاريخية حول تدهور الدولة العثمانية وتقلّص سيادتها, كذلك دور بريطانيا ومخططاتها الاستعمارية، وتحالفها مع البروتستانتية لهدم الدولة العثمانية, وصولاً إلى المرحلة الثانية لضعف الدولة العثمانية منذ القرن التاسع عشر حتى الانتداب البريطاني ثم تمدّد النفوذ والسيطرة البريطانية.

كما توقف طويلاً عند تقسيم سوريا الكبرى إلى أربعة أقطار هي سورية وفلسطين والأردن ولبنان، مضيئاً على الدولة العثمانية ونظرتها إلى قطاعيّ التعليم والصحة.

وكانت وقفته اللافتة والمثيرة والضرورية للإضاءة على الطبّ في فلسطين وخصوصاً في مدينة القدس ورأي الرحّالة والمُبشرين وخصوصاً النشاط الطبي بطابعه الكنسي والتبشيري والطائفي, وخاصة دور اليهود والغرب والصهيونية المسيحية والتبشير وعلاقتهم بالخدمات الطبية.

وحتّى لا يذهبنّ أحد بعيداً في التساؤل المُريب عن سبب حديث المؤلف عن «التبشير», فإنّ د.العجلوني أوضّح الأسباب بشفافية واستقامة, إذ لا يُنكر الأهداف الدينية للتبشير وحقّ أيّ دين في أن يَبثّ معتقداته، إلا أنه في الوقت نفسه يدعو إلى عدم اتّباع أساليب ملتوية في فرضها أو الوصول إليها وعدم تغليفها بغلاف إنساني (ص68).. ثمّ يتوقف وأحسب أن ذلك يكتسب أهمية إضافية... خاصة في الإجابة على سؤال مُمِضٍ واظب كثيرون طرْحه لمعرفة سرّ «الهجمة» الطبية الكنسية بطوائفها المختلفة ذات الطابع الإنساني الظاهري، والتي تستبطِن أهدافاً سياسية بعيدة المدى, يظنّ القائمون عليها أنّها ستنطلي على شعوب المنطقة بل يصعب اكتشافها, ولكنّهم كانوا أسرى أوهامهم رغم أنّهم نجحوا في مخططاتهم التي لم تتوقف عند اعتقاد الإنجيليين الأميركيين بأن «التبشير يعين على التنصير»، وبأنّه مشروع مسيحي قابل للتنفيذ، إذ أنّ الطبيب المُبشّر يمكنه الوصول إلى جميع طبقات المسلمين واليهود بوساطة المرضى الذين يعالجهم، لذلك طلبوا منه أن يكون له نسخة من الإنجيل، فيؤثر بذلك في مَن حوله من المسيحيين أتباع الطوائف الأخرى.

كذلك في أنّ استعمال الطب وسيلة تبشيرية لم تكن تخصّ الإنجيليين فقط, بل عُنيَ بذلك اليسوعيون/الكاثوليك. إذ كثيراً ما بدأت مراكزهم التبشيرية بوصفها مراكز للتطبّب أول الأمر، ومع تقدّم الزمن أخذ اهتمام اليسوعيين بالطب يقِلّ وتبشيرهم الديني يزيد, حتّى حلَّ التبشير المَحض محل التطبّب.

دون إهمال بطبيعة الحال دور المسيحية البروتستانتية ذات الاعتقاد الجازم بعودة المسيح ومكان عودته فلسطين/القدس, وكان مُتطلب هذه العودة الأساسي «اجتماع عودة اليهود إلى فلسطين وتنصيرهم أو اعتناقهم المسيحية». لذلك بدأت الكنيسة البروتستانتية في توجيه فكرها المسيحي.. لليهود، ونَصّرت الحركة اليهود كما هو ثابت، وكانت تعمل على استمالتهم بالمطبوعات والمدارس والمدارس الصناعية.

وإذ لا رغبة لديّ في إضاعة مساحة هذه العجالة بالتركيز على موضوع كهذا (علاقة التبشير بالطب)، إلا أنّ أهميته تنبع من الآثار السلبية التي تركتها حركة التبشير ذات الجذور المتصهينة على أوضاع فلسطين قبل الانتداب وبعد قيام دولة العدو, ولهذا فإنّ المدقق في فهرس المجلد الأول من سِفر الدكتور كامل العجلوني يلحظ هذا العدد الهائل من المشافي في فلسطين والاردن, مقارنة بعدد السكان وحال شعوب المنطقة, التي كانت ترزح تحت نير الاحتلال العثماني, ثمّ خضعت أو أُخضِعَت لتآمر الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية ورهط المُتصهينين النافذين في مراكز صنع القرار في كلّ من لندن وباريس وامتداداتهما عبر المحيط الأطلسي في الولايات المتحدة الأميركية.

لمن يريد الاستزادة يمكنه فقط قراءة ما انطوت عليه الصفحات 8,9,10 من المجلد «الأول", ليرى بأم عينيه العدد المهول للمشافي والمراكز والمكاتب الصحية التي كانت في فلسطين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بما في ذلك تلك «اليهودية", ليس فقط ذات الطابع التبشيري المُغلفة بعناوين إنسانية، وايضا ليس في القدس وحدها بل في الناصرة والخليل وصفد وطبريا.

أخيراً وليس آخراً.. فـإن «سِفراً» كهذا يُظلَم ولا يُعطى حقه, أقلّه في العرض والتنويه والتأشير على ما انطوى عليه من معلومات وتحليلات وأرقام وإضافات واستطرادات, وخصوصاً وثائق ومراجع ومرجعيات. إلا أنّ المساحة في صحيفة يومية لا تترك للمرء هامشاً إضافياً، ناهيك أن عرض ثلاثة آلاف صفحة بشمولية وشرح واستفاضة, يحتاج إلى متخصصين وأصحاب باع طويل في عالم الطب, المحمولة قراءاتهم على بُعد سياسي وآخر اجتماعي/ اقتصادي، نحسب أن مجلة مُتخصصة قادرة على استيعابه وإيصاله إلى من يهمهم الأمر.

ويبقى الاحترام والتقدير وعميق الشكر للدكتور كامل العجلوني, على الجهد الكبير والعظيم الذي بذله... مُستحقاً وواجباً.

kharroub@jpf.com.jo