هل يعقل أن يمر خبر القرار المهم، الذي اتخذه اللواء الركن يوسف الحنيطي رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية هكذا مرور الكرام، رغم أنه قرار يتصدى للمساهمة في حل معضلة اجتماعية خطيرة، يعاني منها مجتمعنا الأردني، ولها مضاعفات اجتماعية خطيرة، اعني بها اهتزاز واقع الأسرة الأردنية الذي أسس لاهتزاز منظومتنا الاجتماعية كاملة، وهو الاهتزاز الناجم أولا عن عزوف الشباب الأردني عن الزواج والعزوف عن مؤسسة الاسرة والزواج..

وقد سبق لنا في جماعة عمان لحوارات المستقبل أن دعونا الى صحوة وطنية لإنقاذ هذا المؤسسة، وها هو اللواء الحنيطي يفعلها، من خلال قراره القاضي بدفع تكاليف زواج كل من لا يستطيع الزواج من منتسبي القوات المسلحة، شريطة أن يكون من رتبة رقيب أول إلى وكيل أول، وألا يكون جامعيا وأن يكون غير متزوج.

تبرز أهمية هذا القرار وخطورته عندما نتأمل بالأرقام والإحصاءات وغيرها؛ المعطيات المتعلقة بمؤسسة الأسرة في بلدنا، فجميعها يؤكد عزوف شبابنا عن الزواج وارتفاع نسبتي الطلاق والعنوسة ومن ثم اهتزاز مؤسسة الزواج في مجتمعنا، يدل على ذلك تدني نسبة الإقبال على الزواج بمقابل ارتفاع نسبة الطلاق، لأسباب أهمها ارتفاع كلف الزواج التي لم يعد بمقدور الشباب الأردني تحّملها؛ ففر منها ومن فكرة الزواج.

لقد غذّت أسباب أخرى فكرة العزوف عن الزواج لدى شبابنا منها رغبة الفرار من المسؤولية، وتنامي النزعة الفردية عند الشباب والفتيات، وقد غذّت ذلك كله أنماط دخيلة من الثقافة وقيمها ومفاهيمها الغريبة على مجتمعنا.

وهذه كلها تؤشّر إلى خطر حقيقي يهدد مجتمعنا وهو خطر يأخذ أشكالاً وصوراً مختلفة، منها شكل الأزمة الاجتماعية ممثلة باهتزاز القيم الأخلاقية، وضعف الوازع الديني، فالعزوف عن الزواج يكون أكثر شيوعاً في المجتمعات المنفلتة أخلاقياً والتي تعاني من تمزّق تماسكها الاجتماعي.

ومن أشكال الأزمة أيضاً انقلاب المفاهيم من خلال سيطرة المقاييس المادية على أولويات حياتنا؛ حيث حولت نسبة عالية من الناس الزواج إلى صفقة تجارية، من خلال المغالاة في المهور وشروطهم على مَن يتقدم لخطبة إحدى بناتهم؛ ما أدى إلى ارتفاع كلف الزواج الذي صار سبباً رئيساً من أسباب العزوف عنه.

كما تنامت في مجتمعنا أنواع كثيرة من الجرائم والانحرافات كالتحرّش والاغتصاب والقتل لدواعي الشرف، وانتشار الرذيلة لإشباع الحاجة الجنسية، والهروب إلى المخدرات، وانتشرت عادات اجتماعية خطرة منها: الهجرة للخارج بهدف الزواج من أجنبيات، في نفس الوقت الذي صارت فيه البنات الأردنيات يتزوجن حتى من العمال الوافدين؛ ما ينجم عن هذا الزواج من مشاكل اجتماعية وسياسية، وأخطر من ذلك كلّه قلّة الزيادة الطبيعية للأردنيين، وكلّها مخاطر تقود إلى الخطر الأكبر على مجتمعنا، والمتمثل في تمزّق نسيجه الاجتماعي وضياع هوية هذا النسيج.

إن كل هذه المخاطر الناجمة عن اهتزاز مؤسسة الزواج في بلدنا تستوجب صحوة وطنية تشارك فيها كل القوى الحية في مجتمعنا لتشجيع الزواج من خلال تبسيط إجراءاته وتخفيف كلفه، وأول من يُطلب منه كل أسرة لديها فتاة في سنّ الزواج، بألا تبالغ في طلباتها ممن يتقدم لخطبة ابنتها، التي يقع عليها هي الأخرى مسؤولية إقناع أهلها بعدم المبالغة في طلباتهم ممن يتقدّم لخطبتها، لأنها هي التي ستدفع ثمن هذه المبالغة في الطلبات، التي غالباً ما توقع الخاطب تحت عبء الديون؛ ما يسبب حالة من التوتر الدائم في منزل الزوجية قد يكون من نتائجها إيغال صدر الزوج بالحقد على زوجته وأهلها؛ فيفقد الزواج مضمون الودّ والرحمة ليحلّ محلهما الضغينة والبغضاء التي يدفع ثمنها المجتمع واستقراره.

في ضوء كل هذه المعطيات والوقائع على الأرض تبرز أهمية قرار رئيس الأركان، وأهمية البناء عليه..

Bilal.tall@yahoo.com