استقر فقه القانون الدستوري على تعريف الدولة بأنها جماعة من الأفراد تقطن على وجه الدوام والاستقرار إقليما جغرافيا معينا، وتخضع في تنظيم شؤونها لسلطة سياسية عليا.

فهذا التعريف يتضمن الأركان الثلاثة لقيام الدولة، وهي الشعب والإقليم والسلطة السياسية. فمفهوم "الشعب" ينصرف إلى مجموعة الأشخاص المقيمين على إقليم الدولة والذين يرتبطون بها برابطة قانونية وسياسية هي الجنسية، في حين يُقصد بالإقليم، المنطقة الجغرافية التي يستقر عليها الشعب بصورة دائمة ومستمرة، وتشمل الإقليم البري والبحري والجوي. أما السلطة السياسية، فتتمثل في الهيئة التي تحكم الأفراد المقيمين على منطقة جغرافية معينة، والتي يتسع نطاقها لتشمل مؤسسات الحكم وسلطاته الدستورية.

إن الدولة بهذا المفهوم الدستوري تكون بحاجة للتطوير والتحديث، ضمن ما يُعرف بإعادة تأهيلها وتقوية عناصر وجودها، وذلك لضمان ديمومتها وقدرتها على مواجهة التحديات والصعاب. وهذا الدور هو محور عمل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية كما رسم ملامحها جلالة الملك في رسالة التكليف.

فعلى صعيد عنصر الشعب، لا بد من تجديد علاقة الفرد بسلطته السياسية على أساس الاعتراف له بالحق في المشاركة الحقيقية في إدارة شؤون الدولة، وتغيير النهج الذي تمارس فيه الحكومات سلطاتها الدستورية عليه. وهذا ما أكد عليه جلالة الملك في كتاب تشكيل اللجنة بالقول إنه يجب ضمان حق الأردنيين في ممارسة حياة برلمانية وحزبية ترقى بديمقراطيتهم وحياتهم وتسهم في تحقيق أمنياتهم، بالإضافة إلى تهيئة البيئة التشريعية والسياسية الضامنة لدور الشباب والمرأة في الحياة العامة.

أما على صعيد الإقليم، فإن الحاجة تتعاظم اليوم لإعادة رسم علاقة الأردني بوطنه على أساس الحفاظ على المكتسبات التاريخية وحماية التراب الوطني. وقد تحقق جزء كبير من إعادة تأهيل الإقليم بصدور القرار التاريخي باستعادة منطقتي الغمر والباقورة، والتي هي أراض أردنية لم يتم التفريط بها أو التنازل عنها. ومع ذلك تبقى هناك ضرورة للتأكيد على الهوية الوطنية الأردنية الجامعة، بأن تُقدم على الهويات الفرعية التي تعمل على تشتيت التماسك والتعاضد الوطني.

وهذا الأمر يدخل أيضا في عمل اللجنة الملكية، إذ شدد جلالة الملك على ضرورة تعزيز قيم المواطنة والالتزام بمبدأ سيادة القانون. وهي المبادئ التي يجب أن ترى طريقها إلى الدستور الأردني بنصوص واضحة وصريحة، وعدم الاكتفاء بها كشعارات تطلق بين الفينة والأخرى. فهذه القواعد يجب "دسترتها"، بحيث تصبح جزءا من الأسس المكتوبة التي يقوم عليها نظام الحكم في الأردن.

وتبقى السلطة السياسية أبرز عناصر الدولة التي بحاجة إلى إعادة تأهيل، إذ لا بد من إحداث تغييرات جذرية في شكل هذه السلطة، وكيفية تشكيلها وممارستها لصلاحياتها الدستورية. وهذا هو محور عمل اللجنة الملكية التي انصب تكليفها على إعادة رسم ملامح السلطة السياسية القادمة، وتجديد علاقتها بالفرد على إقليمه الوطني.

ولهذه الغاية، جاء التوجيه الملكي بضرورة وضع مشروعي قانوني الانتخاب والأحزاب السياسية باعتبارهما الأساس في تشكيل السلطة السياسية في الدولة ومباشرتها لمهام عملها، إذ لا بد من إيجاد حياة حزبية فاعلة تمهد الطريق نحو برلمان قائم على الكتل والتيارات البرامجية، ومن ثم التأسيس لمرحلة متقدمة في أسلوب ممارسة السلطة التنفيذية لمسؤولياتها وفق أحكام الدستور.

إن الحكم على مخرجات اللجنة الملكية يكون من خلال قدرتها على تحقيق توجيهات جلالة الملك في التحديث والتغيير، والتي سينعكس أثرها إيجابا على إعادة تأهيل الدولة الأردنية في مئويتها الثانية.