رائد محمد الحواري

(كاتب فلسطيني)


تُعد فاتحة العمل الأدبي من مكوناته الجمالية، فإما أن تجذب القارئ أو تنفره، وفي رواية «مرآة واحدة لا تكفي» للكاتب حسن أبو دية، كان السارد موفقاً في فاتحتها التي بدأت بـ: «همست بعد تنهيدة ولْهى: كم أنت رائع! أتدري، كنت أحسّ أنفاسك وهي تمرّ على جسدي ريشةَ فنان ترسم لوحة الوجود، كنتَ فناناً حقيقياً، أدواتك الحب والشوق المتجدد، كانت أحياناً شفتاك لا تلمسانني، لكنك كنت تُشعل جمر الجسد».

إذا ما توقفنا عند هذا المقطع، سنجده صوت أنثى حقيقية، لما فيه من صفاء وبياض، فالألفاظ المستخدمة بمجملها تحمل النعومة والهدوء، والتي تتماثل مع فكرة الحب ولقاء الحبيب، وهذا ما يجعل المقطع مطلق البياض، تتشارك فيه الألفاظ والفكرة في خدمة المضمون.

وهذا يأخذنا إلى لغة الشخوص/ السرد، التي جاءت مقنعة، فالشخصيات هي من يتحدث لنا وليس السارد، وهي شخصيات حرة ومستقلة في ما تقول، ولم تتعرض للتدخلات الخارجية أو لأمور فُرضت عليها، وهذه إحدى جماليات الرواية. ولتبيان أن الأصوات كانت مستقلة وتتناسب وطبيعة الشخصية المتكلمة، يقدم لنا السارد صوت البطل «سامي» بهذا الشكل:

«هل تقدمتُ أنا، أم رجعتِ؟! لست أدري، ولا أظنك تدرين، كل ما نعرفه أننا بدأنا معزوفة عشق غامر، لا ندري كيف بدأت جملتها الأولى أو كيف كانت الأخيرة، كيف بدأت تلك الشرارة الصغيرة وأشعلت حريقاً عمّ جسدينا؟! الحرائق الكبرى تبدأ بهدوء، ولكنها إذ تستعر تصعب السيطرة عليها، كان حريقاً لم نخرج منه بهدوء، بل ربما ما زالت الجمرات التي خلفها تتقد بين ضلوعنا حتى الآن، ما نعرفه أننا -في تلك الليلة- كنّا بغاية الامتنان لتلك الحمى الطارئة التي دفعتك لتكوني ممرضتي المتطوعة».

في هذا المقطع نجد الكثير من الألفاظ القاسية المتعلقة بالنار (الشرارة، واشتعلت، حريقا، الحرائق، تستعر، الجمرات، تتقد)، وهذا ما يؤكد أن هناك رجلاً يتحدث، فرغم أن المشهد يتحدث عن الحب واللقاء إلا أن اللغة الشديدة والألفاظ النارية تشير إلى وجود رجل خلفها، وهذه اللغة تتباين مع تلك السابقة؛ لغة «لندا/ كفاح» الناعمة والهادئة في فاتحة الرواية.

أما «زينب»، أخت «سامي»، فتحدثنا بهذه اللغة: «كنتُ في أعماقي أرفض فكرة أن سامي استُشهد، ولكن لا شيء بين يدي يثبت عكس ما تناقلوه، لا سيما بعد أن قابلتْ أمي رفيقَهُ الذي أكد إصابته، وأكد بطريقة غير مباشرة شهادته.. عندما جاء من الجزائر طلبٌ لشهادة البكالوريا الخاصة بسامي، استنفرت كل حواسي، لكنّهم خدّروا هذا الاستنفار بتأكيدهم أن الشهادة فقط لتثبيت راتبه من مؤسسة أسر الشهداء، لم أنبس بكلمة وكأن الجرح فتح من جديد، بكيت طوال الليل، وشيء ما في داخلي يأبى التصديق».

بهذا نكون أمام ثلاثة أصوات متميزة، لكلٍّ منها طبيعته وألفاظه الخاصة، فنجد في لغة «زينب» مشاعر الأخت المتعلقة بأخيها؛ داخلها يرفض ما يُعرض أمامها من «شروحات» متعلقة باستشهاد «سامي»، والقوة الروحية/ العاطفية تجاهه جعلتها تتشبث ببقائه حياً، لهذا استخدمت ألفاظ الجمع غير المعرّفة لمن تناولوا وقالوا باستشهاده: «تناقلوه، خدّروا، بتأكيدهم» فعدم تسمية من قاموا وقالوا باستشهاد «سامي» يشير إلى نفورها منهم، لهذا تجاهلتهم وجعلتهم «نكرات».

كما أن «زينب» تحدّثنا عن التغييرات التي حدثت في المنطقة العربية بعد المد الديني وأثره في المجتمع، بلغة دقيقة وبما يفهمه المجتمع الذكوري الذي يفرض سطوته على النساء: «عندما أطلق زوجي لحيته، وبدأ بـ: قال الله قال رسوله، أحسست بالضرّة في بيتي، فالرجال بعد الركعة الأولى لا يتذكرون إلّا (مثنى وثلاث ورباع، الرجال قوّامون على النساء، وللذكر مثل حظّ الانثيين)، الله وكيلك، بهذا الثالوث يختصر الرجال كلّ الدين، فوجدت أن أمشي كما يهوى لئلا يتهمني بالنشوز».

ولو جاء هذا الكلام على لسان رجل، لكانت الفكرة باهتة وغير مقنعة للمتلقي، فقد يشعر أن المتحدث منحاز لجهة ما، لكن بما أن المتحدثة امرأة وتعاني من هذا الفكر وحامله، فإن أثرها ووقعها على القارئ أكبر وأكثر، وهذا ما يؤكد حسن اختيار السارد لمن يروي الأحداث، والدقة التي استخدمها في توزيع الأحاديث بين الشخصيات، فكل شخصية تملأ مكانها وتعطيه حقه دون نقصان أو زيادة.

وهناك صوت الراوي، فالسارد وضع لنفسه مكاناً في الرواية من خلال سرد مقاطع من الأحداث، فبعض المقاطع كانت تسرد بصورة خارجية مثل: «لم يكن يعرف آنذاك معنى الحرب، والآن بعد مرور السنين ما زال غير قادر على معرفة أسبابها، أيّ الطرفين كان محقاً؟!»، و«لم تكن حرباً بين جهتين، هي حرب خلقت جهتين، عبر التاريخ كانا شعباً واحداً لا يعرف إلّا ما هو شائع في المجتمعات العربية من تفرقة بين مدني وبدوي وفلاح».

القيمة المعرفية لهذا المقطع تتوازى/ تتماثل مع الشكل الأدبي الذي قُدمت به، فالسارد يعي حساسيّة هذا الملف، لهذا ارتأى أن يقدمه بصورة المراقب، فكان موفّقاً في تنصيب نفسه متحدثاً عما حدث بعمومية وحيادية.

ويتناول السارد مجموعة أحداث تعرّض لها الفلسطيني، ومما تناوله حرب المخيمات، التي جاءت على لسان «زينب»: «ماذا حدث بعد خروجكم من بيروت! كل شيء تغير، وعندما حدث الانشقاق زاد الطين بلة، كانت المعارك تدور بينهم في لبنان، ودخانها يعمينا هنا، ما أبشعنا تجاه بعضنا البعض يا أخي! ما أبشعنا! أتتخيل أن البسطاء كانوا أكثر وعياً لما يحدث، لا شك أنك تابعت كيف كان أهالي مخيم عين الحلوة يقيمون بأجسادهم سداً بين الإخوة المتقاتلين، لكن -وتنهدت قائلة-: لم ينفع شيء».

هذا الشكل من الطرح يأخذنا إلى لغة السرد، وكيف أن السارد كان يعي أهمية فتح المجال للشخصيات لتروي الأحداث، فعندما أراد أن يتحدث عن «أيلول» وما فيه من حساسية، فعل ذلك بحيادية، لكن عندما أراد أن يتحدث عمّا هو فلسطيني، قدم إحدى النساء «زينب» وجعلها تروي كفلسطينية تنظر إلى الجميع من المسافة نفسها، ولا تميل لطرف على حساب سواه، وهذه إشارة إلى حيادها السياسي. من هنا نجدها استخدمت لفظ «الإخوة» لتُعبّر عن موقفها من المتقاتلين، وأيضا لتُبَيّن حجم المأساة التي وقعت في المخيمات، كما نجد امتعاضها مما حدث من خلال «تنكير» المتقاتلين: «المعارك تدور بينهم»، فجاء حديثها يحمل الألم والوجع، وفي الوقت نفسه الحسرة على من سقطوا في تلك المعارك.

في المقابل، يتحدث «سامي» لـ «لندا/ كفاح»، عن الانشقاق بطريقة تتباين مع الطريقة التي تناولتها «زينب»، يقول: «لا أريدهم أن يعرفوا من أنا، لا تتعجبي من ذلك، فبعد بيروت حدث انشاق في حركة فتح، وكانت الحكومة السورية تدعم المنشقين، وعندما عاد الخيار لطرابلس شارك الجيش السوري في حصاره، حتى كان الخروج الثاني، وهنا تعرّض من لم ينشق للمطاردة، وللقتل أحياناً، لدرجة أن القيادة أصدرت تعليمات للبعض أن يعلن انشقاقه حفاظا على حياته». الموقف هنا منحاز لحركة فتح، على النقيض من الموقف السابق المحايد. وهذا ما يؤكد أنّ لغة الشخوص تتباين في مواقفها، وأيضاً أنها تتحدث بما «تراه» يخدم فكرة الرواية وجماليتها وفنيتها، فتوزيع الأدوار بينها كان متقناً ومتوازياً، بحيث أن القارئ يمكنه أن يأخذ من هذا القول أو ذلك دون أن يُفرَض عليه رأي بعينه.

الشخصيات النسويّة كانت أكثر عدداً من الرجال، فهناك «كفاح» زوجة «سامي»، و«لندا» التي غيرت اسمها إلى «كفاح»، وهناك «زينب». في المقابل، كان هناك رجل واحد «سامي» أمام النسوة الثلاث، فدور الأب والأم و"إسماعيل» جاء بصورة هامشية، ولم يكن لأيّ منهم الفعاليّة التي بدت للشخصيات الأربعة الرئيسة، وعندما افتتح الرواية بصوت «لندا/ كفاح» أراد السارد أن يشير إلى انحيازه لها، وإلى حاجته إليها، لهذا قدمها متحدثة لتفتتح أحداث الرواية.

يحدثنا «سامي» عن دور المرأة وأثرها عليه وحاجته لها بقوله: «ما زالت همساتك تملأ أذني.. ما دمت بجانبي فلن أموت هكذا ببساطة، لن تقوى كل سجائر الدنيا على سلبي إرادة الحياة التي تملئينني بها! اليوم شربت الحليب، قررت أن أكون مطيعاً، أو ربما أردت إبعاد الموت عني وأنت بعيدة، أحببت الحياة، فربما يجمعنا الزمن مرة أخرى، ولا أريدك أن تجديني عجوزاً، أريد أن ألقاك وأنا كما عرفتني، في حيوية الشباب». إنه يتشبث بالحياة ويريد المزيد منها، وهذا بفضل وجود «لندا» وأثرها الإيجابي عليه، فبدا وكأنه طفل مطيع لما تأمره به أمه. واللافت في هذا المقطع اللغة الشبابية والبسيطة التي نجدها في الفكرة وفي الألفاظ، بحيث يمكن للمتلقي أن يصل إلى المضمون من خلال الألفاظ المجردة.

ونجد التغيير في لغة «سامي» عندما يتعلق الأمر بالمرأة: «هي امرأة طويلة، طويلة جداً، أرى وجهها كأنه في السماء، شعرها كأنه شلال ماء، أكثر من مرة كنت أمسك بشعرها أريد أن أتسلق لأرى ملامح وجهها، لكنها كانت تنزلني برفق، ثم تطلب مني أن أغمض عيني، وتقبل جبيني وتختفي». ففي هذا المقطع نجد البياض المطلق، حيث تجتمع الفكرة الجميلة مع الألفاظ لخدمة المضمون المراد تقديمه، وهذا يؤكد الأثر الإيجابي الذي تُحدثه المرأة في عملية سرد الرواية.