عبدالله المتقي

(كاتب وشاعر مغربي)


«كل ما يرغبه القلب يُمكن أن يُختصَر دائماً بصورة الماء»

باشلار

«من عطشي تشرب الغيمات»، هو الاسم الذي اختاره الشاعر التونسي عادل الجريدي لديوانه الصادر مؤخرا عن مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية بالمغرب، بمناسبة «شهر الشعر.. ثلاثون يوما في ضيافة الإبداع» الذي اقترحته المؤسسة، احتفاء بالشعر والشعراء، والعمل على أن يكون سيدُ الكلام شكلا من أشكال إقامتنا في الأرض.

تزين غلافَ الديوان لوحة تشكيلية للفنان بديع جحجاح، وهو يشتمل على 72 خرطوشة شعرية، تتراوح بين الومضة والهايكو، وتلك هي تراحيل عادل الجريدي في أراضي الشعر، الذي لا يقبل السير فوق خط واحد ووحيد، لأن «الماء يتعفن إذا بقي في مكان واحد»، كما أن طبيعة الشعر هي السمو بالنص من أحادية الصوت إلى مراقي التعدد والانفتاح.

يكشف العنوان المركزي للديوان «من عطشي تشرب الغيمات»، عن طبيعة الديوان وعن مائياته التي تثير الانتباه (البئر، النهر، الماء، أدمعي، الشتاء، الماطرة، مبتلّا، الثلج، البحر، الموج، البكاء، مياه الحبر، سكبت). ولا تسعفنا في معرفة هذه التجليات إلا قراءة خراطيش الجريدي الشعرية، لنجد هذه المائيات رديفا للعديد من المعاني والدلالات التي يُولِّدُها انسياب الماء، مما يجعل من العنوان نصا صغيرا واصفا لنص كبير، ورمزا مفتوح الدلالة على مصراعيه، «إنه البذرة السماوية التي يتكون منها اللؤلؤ، لأن كل لؤلؤة ما هي إلا قطرة ماءٍ عذبٍ نزلت من السماء» كما يذهب إلى ذلك الشاعر المغربي أحمد بلحاج آية وارهام.

من تجليات الماء في الديوان: «العشق» الذي يمثل تجلياً دلالياً ومثيراً للانتباه في هذه الخراطيش الشعرية، ويصير له وجود الحلول عند الاتصال بالمعشوقة وتوحُّدِهِ معها احتراقا ولهيبا، يقول الشاعر:

لا تسحبي الثلج إلى قلبي

كم يلزمنا من حريق

حتى نكتمل».

يستحضر الشاعر في هذه الومضة الماءَ في لفظ «الثلج» عندما يرغب في أن يعكس حالته النفسية التي تجسد رغبته في الاحتراق بقصد السمو بهذا الحلول الملتهب إلى مراقي اكتمال معناه وولادته من جديد، اختصارا للحب الذي يذكيه والالتزام الاجتماعي حد الاشتعال والوقود.

هكذا يغدو الماء ولادةً أخرى وحياة ثانية، بعيدا عن الاحتباس الذي يعني الجدب. يقول الجريدي:

«سكبت ضحكتها

في وجوم اليباس

فانتفض المدى

وشوشات خضراء».

إن شعرية هذه الصورة المركبة تتأسس على ثلاثة عناصر: «سكبت ضحكتها»، و«وجوم اليباس» و«مياه القلب». وهي عناصر يحاول الشاعر عبرها إذكاء نبرة الحياة، إذ يمكّنه صبُّ الضحك على شاكلة الماء من تجاوز العبوس وتخطي الجفاف في أفق الانتصار لخصوبة العشق.

كذلك، تحضر الأحلام المائية والمتمثلة في قول الشاعر:

«نهضتُ مبتلّاً بها

أحلامي المؤجلة».

ها هنا تتشرب أحلام الشاعر المؤجلة بالماء، وتسمح لنا بكوّة نلج عبرها إلى الكتابة، لأن الماء نبض الحياة، وكذلك الشعر، مما يجعل الماء والشعر عنصرين متلاحمين يكمل بعضهما بعضا، وتظل دائما القصيدة الحلم، القصيدة المائية هي أملنا المراوغ.

وقد يعدو الماء سوداويا، من طبيعته العواء وجملة من الأحزان:

«الأحلام القديمة

تعوي في شتائي

مثل ضلع مكسور».

هكذا يعدو الشتاء-الماء عواء وفصلا لإعادة الأحلام الرابضة في ذاكرة الأمس، مما يثريها بالدلالات الرمزية العميفة، ويجعل منها خطوة فنية نابضة يأسرار الذات والمجتمع ومنفعلة به.

وفي سياق تتبع الماء المنسرب في ترميزاته اللامتناسخة واللامتشابهة، في أمكنته وتحولاته الدلالية في نصوص «من عطشي تشرب الغيمات»، نقف على ذات الشاعر المُكبّلة ومقطوعة الجناح، يقول الشاعر:

«في قاع البئر

عمر يرشح بالتمني

لكن الحبل قصير».

إن تداعي المعجم (قاع البئر، التمني، الحبل قصير)، يختصر كل ما يحبط تمنيات الذات الشاعرة، ويعكس عجزها على إدراك المبتغى، ومن ثم تعطل الما-ينبغي، وفقدان القابيلة للحلم.

وعلى هذا النحو من تجليات الماء وتحولاته، تمضي الذات الشاعرة في ابتكار صلاتها بالماء، يقول الشاعر

«الموج الذي لم يستح

من دموع الغرقى

سلطان جائر».

إن الموج والدموع والغرقى والحيف والجور، ألفاظ تؤطر أجواء هذه الومضة الشعرية، وتلقي بدموع الضحايا الحارقين والتواقين إلى الانفلات على الموج جائرا ومعيقا من التحرر والعبور إلى الضفة الأخرى.

في السياق نفسه نقرأ للجريدي:

«على جبين البحر

وصية خرساء

لقارب لم يعد».

الحقّ أن القارئ الجيد لهذه الومضة يصل إلى أعماقها التي تشي بمشاهد الموت الذي أصبح مرادفا لمقبرة مائية، والتي يومئ إليها قارب الموت الذي يكتفي بوصمة قوية صامتة على جبين البحر، وما يتولد عنها من ميتات.

وعموما، يمثل هذا الديوان تجربة جيدة في الإبداع الشعري التونسي، ويؤكد بالملموس اجتراح الشاعر إضافة نوعية من شأنها تدعيم حداثتها، لا سيما أن هذه الخراطيش الشعرية تبدو مأخوذة بشعرية التكثيف والاقتضاب لكأنها تنتصر لما قلّ ودلّ.