نهى القاضي

(كاتبة مصرية)


هل تعرضتِ في يوم ما إلى مطاردة عاطفية ضارية من بائسٍ ما؟

هل تعرضتِ لمحاولات تجسس عبر اختراق حساباتك الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي؟

هل تواصل حبيبك السابق مع كلّ من يعرفك وتربطه بكِ صلة ما، ودعاه للتدخل في صميم حياتك الشخصية وأفشى عنك أسرار علاقة تعدّينها منهية؟

هل خسرتِ أحدهم بسبب تلك الوساطة غير المفهومة وغير المرحب بها من أحد تجاهك؟

هل أُجبرتِ يوما على البحث عن حريتك داخل أروقة المحاكم؟

هل أنفقتِ كل مدخراتك على التنقل بين مكاتب المحامين ونفقات زياراتك الدورية لمحكمة الأسرة؟

هل تعقّبك زوجك السابق ولاحقك سبّا وقذفا وتشويها، ثم بكى وتوسل إليك ورجاكِ للمرة الألف للرجوع؟

هل آذاك هذا الشخص بإيذاء أهلك أو أصدقائك أو حتى بمحاولته تدمير مستقبلك المهني فقط ليرغمك على الرجوع؟

هذا الشخص عزيزتي، يُدعى "السوسيوباثي"، في إشارة إلى مرض نفسي يشخَّص به كل من أتى بأيّ من الأفعال السابقة، ولكي تكتشفي المزيد عن تلك الشخصية عليك الذهاب إلى محرك البحث "جوجل"، لتجدي أن الطب النفسي وضّح هذا المرض ووصفه بدقة، ولا أريدك عزيزتي أن يراودك الأمل بأن هناك ثمة علاجا ما. للأسف، لا علاج للمصابين بهذا المرض حتى الآن، ونسبةٌ كبيرة منهم من الذكور وفقاً لأساتذة الطب النفسي، مع التنويه بأن 4% من الأشخاص سوسيوباثيون!

خلال مشوار حياتنا نتعرض لمثل ذلك النمط من العلاقات، وهناك الكثيرات اللواتي عانين من ضغوط نفسية شديدة بسببه، ما دفع بعضهن إلى محاولة الانتحار. وهذا ما تناوله مسلسل بعنوان "أنت" (You) استحوذ على استحسان الملايين في موسمه الأول إلى حدّ أن شبكة "نتفلكس" أنتجت موسمين منه، ويتم حالياً تصوير الموسم الثالث الذي يُتوقع عرضه في نهاية العالم الجاري.

ومن أهم نقاط القوة في هذا المسلسل الذي يتألف كلّ من موسميه الأول والثاني من عشر حلقات، أنه مقتبس من عمل أدبي. "يتّخذ شابّ وسيم واقع في مستنقع الهوس تدابيرَ جنونية ليفرض بها نفسه على حياة مَن فُتِن بهم... فحذارِ أن يحبّك هذا الرجل!". بهذا العنوان المشوق روّجت شبكة "نتفلكس" للمسلسل المليء بالتشويق والإثارة والرومانسية المأخوذ عن رواية للكاتبة الأميركية "كارولين كيبنيس" تحمل الاسم نفسه كانت قد صدرت في عام 2014.

وقد عُرض المسلسل للمرة الأولى في أواخر عام 2018، وصُورت حلقاته بين نيويورك ولوس أنجلوس، وأخرجه "ديفيد لانزنبرج".

تدور قصة المسلسل حول "جو غولدبرغ" (أدى دوره الممثل "بين بادغلي") الذي يعمل مديرا لمكتبة وقاتلا متسلسلا، ويقع في حب كاتبة تدعى "جينيفير بيك" (الممثلة "إليزابيث لايال") كانت تتردد على المكتبة، وسرعان ما تتطور العلاقة إلى هوس شديد من طرفه، فيبدأ بتتبُّع حضور الفتاة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويصنف بذكاء نقاط الضعف والقوة في شخصيتها، ليتمكن من إجبارها على الوقوع في حبه، كما يتعرف على صديقاتها ويصنفهن إلى مجموعتين: واحدة تمثل عنصر خطر يجب التخلص منه، لأن الفتيات فيها ينازعنه حب "جينيفير"، والثانية تضم الفتيات المسالمات اللواتي لا قلق منهن بحسبه.

وعن طريق تتبع ثنايا حياة الفتيات بكل تفاصيلها المعروضة على وسائل التواصل، يتمكن "جو" من معرفة أدق أسرارهن وكذا نقاط الضعف والقوة في كل منهن، ويبدأ يستثمر ذلك في محاولته اختصار المسافات التي تحول بينه وبين "جينيفير".

وتتنقل الأحداث بسلاسة ومهارة حاملةً في طياتها مفاجأة في كل حلقة، ليظل المشاهد في حالة شغف وانتظار وتوقع لما سيحدث في الحلقة اللاحقة، إلى أن ينتهي المسلسل الرومانسي الدامي بمفاجأة مدوية، وينتهي الجزء الأول منه نهاية مأساوية غير متوقعة.

أما في الموسم الثاني، فتتصاعد وتيرة الأحداث مع محاولة "جو" الهروب من مأساته في علاقاتة السابقة، فينتقل إلى مدينة أخرى باحثا عن مستقبل أفضل وعلاقات جديدة. وعندما يلتقي "لاف" (الممثلة البارعة "فيكتوريا بيدريتي")، يستعيد سلوكه القديم القائم على الهوس والعنف. فبينما يحاول تكوين علاقة حب جديدة، فإنه يسعى جاهداً لجعل علاقته مع "لاف" تنجح بأيّ ثمن، لتجنب مصير علاقته الرومانسية السابقة.

يعلو مستوى التشويق والإثارة، وتظهر الحبكة مختلفة تماما هذة المرة عن سابقتها، وخاصة ما يتصل بنشأة "جو" التي تكشف مقتطفات منها أن طفولته لم تكن سعيدة، ما يقود إلى تعاطف المشاهد معه رغم كل الجرائم التي يرتكبها.

ومن نقاط القوة في هذا المسلسل، أنه العمل الأكثر شهرة الذي تدور أحداثه حول شخص مريض بالسوسيوباثية، لذلك فإن مشاهدته من شأنها أن تدعم الجانب النفسي لكثير من الناس، وتجعلهم على دراية بسمات وممارسات الشخص المصاب بهذا المرض.

ويتميز المسلسل بحضور ضمير المتكلم طيلة أحداثه تقريبا، فمن المفيد أن تستمع إلى هذا الشخص وهو يتحدث مع نفسه ويقول لها ما لا يستطيع قوله للآخرين، فهو بذلك يصطحبك إلى منطقة التفكير الخاصة به، لتعلمَ كيف يغضب، وكيف يخطط، وكيف يتعامل مع الأمور والأحداث، وما دوافعه وطبيعة الهواجس التي تدور برأسه.

يقول الفيلسوف الصيني "سوون تزو": "إن مسؤولية حماية أنفسنا من تلقّي الهزيمة تقع على عاتقنا نحن، أما فرصة هزيمة العدو فيوفرها لنا العدوُّ نفسه (عبر خطأ يقع فيه)". وأول مفاتيح هزيمة أحدهم أن تتعرف إلى ما يدور بخلده، فإن كان عدوك "سوسيوباثيا" فما عليك سوى البحث والقراءة عن هذا النمط من الشخصية، وربما مشاهدة مسلسل "أنت" (You)!