الرأي - رصد

لدينا جميعا تطبيقات ذكية في هواتفنا المحمولة، لكن ماذا لو أصبحت لدينا تطبيقات حقيقية في خلايا أجسادنا بدلا من هواتفنا؟

هذا بالضبط ما تسعى لتحقيقه المهندسة الحيوية لورا سيجاتوري وفريقها العلمي بكلية بروان الهندسية بجامعة رايس الأميركية، حيث تلقت منحة من المعهد الوطني للبحوث الصحية مقدارها 1.8 مليار دولار لتطوير مستشعرات ذكية مخصصة للنشاط الجيني داخل خلايا دمنا، والتي ستوفر فرصا غير مسبوقة لعلاج أمراض السكري والسرطان، فضلا عن الأمراض المعدية والوراثية، وفقما ذكر تقرير تم نشره على منصة الجامعة مؤخرا.

إعادة برمجة الخلايا البشرية

الفكرة هي إعادة برمجة الخلايا البشرية لتصبح قادرة على قراءة البيئة المحيطة بها، ومن ثم تطوير أنظمة حية داخل الخلايا (تطبيقات ذكية) قادرة على اكتشاف وعلاج الأمراض البشرية.

وقالت سيجاتوري "لسنا الوحيدين في هذا المجال، لكننا نتوقع أن يغير نهجنا طريقة التفكير في كيفية هندسة أجهزة المستشعرات الحيوية، حيث تعتمد هذه الأجهزة حاليا وبشكل أساسي على قدرات استشعار سطح الخلية من الخارج عن طريق تطوير مستقبلات سطح الخلية الخارجي. ما نحاول فعله هو تحويل الإشارات التي تسمح للخلايا بترجمة التحفيز الذي يحدث خارج الخلايا إلى برنامج قادر على علاج الخلل داخل هذه الخلايا".

في نموذج سيجاتوري تم تصميم الدوائر البيولوجية الاصطناعية لتعمل داخل الخلايا وتستجيب بسرعة للتغيرات في نشاط الجينات، وهذا هو الجديد والفريد من نوعه الذي تسعى لتحقيقه سيجاتوري وفريق عملها.

ولنتذكر أن الجينات هي المسؤولة عن تركيب الجسم وأعضائه والنمو والبلوغ وتكوين البروتينات المختلفة والإنزيمات ذات الوظائف المتعددة، ويبلغ عددها 22 ألفا و500 جين، وهي موزعة على 46 من الكروموسومات في الإنسان، ومجموعها يشكل الحامض النووي الرايبوزي "دي إن إيه" (DNA).

وأوضحت سيجاتوري "نريد تطوير فئة جديدة من أجهزة الاستشعار الخلوية، ستعمل على تنشيط البرنامج الجزيئي الحيوي داخل الجينات لاكتشاف الحالة الفسيولوجية لها من خلال مراقبة كروموسومات هذه الجينات".

أجهزة خلوية حيوية

على سبيل المثال، يمكننا تخيل تطوير أجهزة خلوية حيوية تنشط فور تلقيها إشارة عصبية عن وجود خلل ما داخل الخلية، وتتحرك لعلاج الخلل بشكل فوري.

وأوضحت سيجاتوري أن "قدرة هذا النظام الجديد على الاستجابة الفورية للخطر، والأهم قدرته على إيقاف نفسه بسرعة بمجرد اختفاء الخطر، هي المفتاح".

وأضافت "تفتقر الخلايا الحيوية المهندسة حاليا عادة إلى التحكم في زمن الاستجابة، أو القدرة على التوقف عن العمل فور انتهاء الخطر، وهذا يؤدي في كثير من الأحيان إلى سوء تقدير زمن العلاج، أو إعطاء الجرعات المناسبة من الدواء في الوقت المناسب، وهذا فرق جوهري، فجرعة الدواء قد تصبح هي المشكلة، ولكن إذا استطعنا صنع خلايا ذكية تستشعر حاجة جسمك للعلاجات، وقمنا فقط بضبط إطلاق الدواء وفقا لذلك، فسيكون ذلك مفيدا حقا لعلاج العديد من الأمراض بسرعة ودقة متناهية لم تكن متوفرة من قبل".

الخلايا الذكية+ التحرير الجيني= ثورة طبية

فإذا أضفنا هذه التقنية الجديدة التي تسعى لتحقيقها سيجاتوري وفريق عملها، إلى تكنولوجيا "التحرير الجيني" (genome editing) والتي تتيح تغيير بنية الحامض النووي لإزالة أو إضافة تسلسلات جديدة، فسنشهد ثورة هائلة في علم الهندسة الوراثية، مما يعني القضاء على العديد من الأمراض الوراثية أو المستعصية على العلاج حتى الآن.

وكانت البروفيسورة جنيفر دودنا الأستاذة في جامعة بيركلي، وإيمانويل كاربنتير المؤسس والمدير الإداري لوحدة ماكس بلانك لعلوم مسببات الأمراض في برلين، قد فازا العام الماضي 2020 بجائزة نوبل للكيمياء لأبحاثهما المبتكرة حول تقنية التحرير الجيني، أو ما أصبح يعرف في الأوساط العلمية بتقنية "كريسبر كاس 9" (CRISPR-Cas9)، حيث تمكّن هذه التقنية الباحثين من تغيير تسلسل الحمض النووي وبالتالي تعديل وظيفة الجينات، كما ذكرت منصة "آي أو إل" (IOL) في تقرير لها مؤخرا.

ويعود أصل تقنية "كريسبر كاس" إلى آلية الدفاع الطبيعي التي تدافع بها البكتيريا والكائنات وحيدة الخلية عن نفسها ضد الفيروسات الغازية. فعندما يتعرض الجهاز المناعي البكتيري للتهديد، ينتج نظام كريسبر كاس إشارة كيميائية تطلق إنزيما يعمل على تدمير الحمض النووي للغازي الأجنبي، وعندما يتم استخدام تقنية كريسبر في الكائنات الحية الأكثر تعقيدا، فإنها تسمح بمعالجة الجينات أو "تحرير الجينات" مما يؤدي إلى تغيير الرسائل المشفرة وتعليمات الجين.

وذكر التقرير أن الاستخدام الأكثر إثارة لتقنية كرسيبر هو تحرير الجينوم البشري لتصحيح العيوب الجينية، وبالتالي لا يمكن فقط علاج العديد من الأمراض الوراثية بل والوقاية منها. حيث يمكن استخدام هذه التكنولوجيا بشكل فعال في تصحيح العيوب الوراثية التي تسبب الأمراض البشرية مثل التليف الكيسي، وإعتام عدسة العين، وفقر الدم من نوع فانكوني، وهو مرض نادر يصيب النخاع الشوكي بالعظام، فضلا عن علاج اعتلال عضلة القلب ومرض هنتنغتون (انهيار الخلايا العصبية في الدماغ)، وطفرات معينة مرتبطة بسرطان الثدي والمبيض، بل إن العلماء أظهروا أن تقنية كريسبر يمكنها التخلص من عدوى فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) من الخلايا التائية، وعلاجها بشكل نهائي من الفيروس.

ومن الواضح أن البشرية تتجه لعصر جديد عنوانه إعادة هندسة وبرمجة الجينات والخلايا البشرية لعلاج أمراض كانت مستحيلة على الطب والدواء حتى وقت قريب.

المصدر : الجزيرة