سؤال لا يمكن لتراب الأرض المباركة الإجابة عليه، ولكن ما أفصحت عنه مصادر صهيونية مساء أمس من إحاطة أمنية تقدر أن اثنين من الأسرى الفلسطينيين الستة المحكومين مدى الحياة قد دخلوا الأراضي الأردنية في جنح الظلام، وهذا التقدير لا يمكن الأخذ به إلا بمعلومات أمنية مؤكدة، فالحدود من الجانب الإسرائيلي تمشط يوميا لمرتين على الأقل من الشمال حتى الجنوب ويمكن اكتشاف أثر الأقدام، ولكن الحقيقة المرّة بالنسبة لقوات الاحتلال أظهرتهم كمجموعة من الفاشلين أمام عمالقة من أذكياء الشعب الفلسطيني الذي أرهق الاحتلال عبر سبعة عقود ولم ينكسر..

الفرار من سجن جلبوع المُحصن بأعلى قدر من الكتل الاسمنتية والرقابة الفائقة ليس سهلاً على الإطلاق، فهو مخصص لمن تصنفهم دولة الاحتلال بأخطر السجناء، وهذه المرة الأولى التي ينجح فيها الأسرى في الفرار بعيدا عن أعين السجانين الغرباء بعد فشل المحاولة السابقة عام 2014 للأسير محمود عارضه أحد الفارين الستة وقائد العملية الأخيرة، وما زالت القوات الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية منشغلة بالوصول إلى الإجابة الغامضة حول كيفية نجاح الرجال الستة من حفر النفق بطول 25 مترا خارج اسوار السجن من الداخل الى الخارج، وبتقديري أن العملية لم تكن من الداخل إلى الخارج بل كانت بالعكس، إذ يبدو ان هناك من بدأ الحفر من الخارج للداخل حتى وصلوا الى نقطة التقاء عبر عام كامل..

لقد بات اسم عارضه ورفاقه شعاراً يدل على هشاشة النظام الأمني الإسرائيلي، وهذا ليس غريبا في دولة الغرباء الذين لا ينامون إلا والسلاح مذخّر بالرصاص خوفاً على حياتهم التي اختار قادتهم الصهاينة القدماء ان تكون دولتهم معسكرة بالكامل من سن الطفولة الى الشيخوخة، ولا يمكنك أن ترى المظاهر المسلحة وقوات الامن والجيش تتجول على مدار الساعة في أي دولة كما تراها في دولة الاحتلال ما جعل منها ثكنة عسكرية وشعباً تحت السلاح وحتى قوتهم العسكرية والأمنية لم تعطهم الأمن والاستقرار النفسي، فيما اصحاب الأرض والحق يعيشون دون قلق رغم القتل اليومي الذي تمارسه قوات الاحتلال.

ها قد مر يومان على العملية التي بات العالم يتندر على تفاصيلها، وباتت تشبه عمليات الفرار من سجن الكازار في صخرة شاطئ فرانسيسكو المحصن في عقد الستينات من القرن الماضي، ولكن الفلسطينيين المعتلقين في السجون الإسرائيلية لهم طقوس مذهلة.

الكيان الإسرائيلي يعبر عن دولة ليس لها مستقبل مهما علت قوتها العسكرية، وهي ليست الدولة القوية ولكن قوتها جاءت من ضعف محيطها العربي المتناقض والمتصارع والذي يقهر بعضه بعضا نيابة عن إسرائيل بعلمهم أو بدون علم، حتى جماعة السلطة في رام الله يتصارعون كالديوك العاجزة، وهذا ليس حقاً إطلاقا، فالفلسطينيون طالما كانوا في مقدمة التنوير الحضاري والعلمي، وتهجيرهم من بلاد أجدادهم وتشتتهم في أصقاع الأرض أعطى دولا كثيرة منحهم قوة التأثير والإفادة على جميع المستويات وتسجيل اسماء الكثير منهم على لوائح الشرف بفضل جهودهم في كل بلد سكنوه، وهذا ما لا تفهمه العقلية الصهيونية المنغلقة على خرافات البحث في تاريخ مزيف وسط تاريخ فلسطيني حقيقي ينتج أجيالا لا تكل من المقاومة.

Royal430@hotmail.com