خمسة أيام تفصلنا عن الذكرى الـ«20» لغزوتي نيويورك وواشنطن, يُنتظَر أن يستغلها ساسة وجنرالات وإعلام الإمبراطورية الأميركية، في محاولة عبثية لا تنتهي لإبعاد تداعيات الهزيمة المدوية التي ما تزال تُلاحقها وربما لأمد طويل، بعد فشل مشروعها الاستعماري الذي دشّنته مباشرة بعد أحداث/11 أيلول 2001، رأى فيها حزب الحرب المدعوم بقوة من قوى مُؤثرة داخل الولايات المتّحدة, فرصة لتكريس الهيمنة الأميركية وقيادتها المنفردة للعالم، وأيضاً لإعادة رسم خرائط جديدة في الشرق الأوسط والمناطق المُحاذية للصين وروسيا، علماً أنّ الأخيرة كانت وقتذاك تعاني حال التفكّك والفوضى التي قرّبتها من الانهيار والتقسيم في مرحلة يلتسين, ولم يكن سوى أزيد من عام قد مرّ على تولّي فلاديمير بوتين السلطة.

ما علينا..

أحد أنجال «المجاهد الكبير».. أسامة بن لادن، الذي قاد أو قل تمّ تكليفه أو هو تطوّع لقيادة ألوية المجاهدين «الإسلاموِيين» من تكفيريين وظلاميين ورعاع وقتلة.. بتكليف من أجهزة استخبارات أميركية وأخرى إسلامية, بهدف تحرير أفغانستان من رجس الشيوعية... اسمه: عمر بن لادن,.. «استضافته» مؤخراً صحيفة يديعوت احرنوت الصهيونية، أو ربما عَرَضَ نفسه عليها، كي يدلي بدلوه في هذه المناسبة, وليُضيء على طبيعة علاقاته (وإخوته الـ24) مع والدهم, خاصّة إعلان عمر براءته منه، «بعدما أصبح رمزاً للشر في العالم", كما قال حرفياً للصحيفة الصهيونية.

ولأن الطريق إلى «التوبة» ونيل رضا العالم الحُرّ عن أيّ شخصية سياسية أو دينية أو تجارية أو حتّى من منظمات وأساطين المجتمع المدنيّ, لا يمرّ إلا إذا «باركته» وأوصت به إسرائيل, فإن «الفنّان» عمر بن لادن الذي تحدّث مُطولاً للصحيفة الإسرائيلية يقول: إنّه سيكون «سعيداً جداً بزيارة إسرائيل يوماً ما».. وإنّه -أضاف بفخر- يودّ أن يقوم بذلك كثيراً, وإنّه يُخطط لهذه الزيارة للقيام بعرض..«لوحاته».

كلّ ذلك لا يهمّ الصحيفة على أهمية «الودّ» الذي أبداه نجل المجاهد الكبير تجاه الدولة العنصرية، بل ثمّة سؤال لا يُمكن لأي صحافي أو سياسي أو تاجر أو رجل استخبارات صهيوني كما جنرالات الجيش وجنوده تجاوزه، وهو: «ما رأيه بإسرائيل؟ وما الذي يعرفه عنها؟.. هنا يقول نجل بن لادن لا فضّ فوه: «أعلم أنّه بلد جميل، وأنّ الكثير منه يريدون السلام مع الفلسطينيين، وأنا -أضاف- أعلم أنّه «منذ 1948 يعيش الفلسطينيون جنباً إلى جنب مع الشعب اليهودي.., أعتقد -واصَلَ- أنّ العالم يجب أن يعيش وَحدة واحدة, وأنّ الجيران من الأديان المختلفة يمكن أن يعيشوا جنباً إلى جنب بسلام».

ليس ثمّة أي تناقض أو غرابة فيما قال نجل أسامة بن لادن. والده حمل «الفِكرة» ذاتها عندما كُلّف أو أُنيطت به مهمة تحرير كابول بعيداً من القدس وعنها، وهي اعتبار الشيوعية وليس الصهيونية العدو «الوحيد» للعرب والمسلمين، ولم يتحدّث بن لادن الأب كما معلمه ومرشده الروحي الشيخ عبدالله عزّام, عن فلسطين والقدس/وتحديداً المسجد الأقصى بما هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ولم ينظُرا بعين العطف والرّعاية إلى شعب فلسطين المظلوم والمقموع والمنكّل به والقابع تحت الاحتلال، الذي يُمارس على أرضه أبشع عمليات التهويد والأَسرَلة, ويعمل بلا كلل للطمس على معالم فلسطين التاريخية، وهويّتيْها العربية والإسلامية/المسيحية، بل مضى قادة «المجاهدين» قُدماً في الدعوة إلى «تعايش» الأديان و«الحوار» فيما بينها, كأن الصراع يحمل طابعاً دينياً وليس وجودياً ومصيرياً.

من هو عمر بن لادن هذا الذي يُقدّم نفسه كـ«سفير سلام»؟

ابن الـ«40» يعيش في منطقة النورماندي في فرنسا، مُتزوج من بريطانية/يهودية كان اسمها جين فيلكس ــ براون ليصبح اسمها لاحقاً «زينة محمد الصباح».. وهي تكبر عمر بن لادن بخمسة وعشرين عاماً كما أنّها «جدّة» لخمسة أحفاد. تعمل «وكيلة للمواهب في العالم».. والأكثر أهمية من هذه الوظيفة التي تمّ اختراعها ولم يسمع بها وعنها أحد.. أنها–وكما كشف زوجها عمر- تلقّت أخيراً عروضاً من الجامعات «الإسرائيلية» لتقديم سلسلة من المحاضرات عن «السلام»، وستقوم بزيارتها في المستقبل القريب.

هكذا أيضاً كانت حال ساسة وأكاديميين وزوجات رؤساء ووزراء, إذ احتضنتهم جامعات أميركية وإسرائيلية.. كي يُحاضروا عن «السلام».

kharroub@jpf.com.jo