إشراف بن مراد المساعفة - (كاتبة تونسية)

يجمع الكاتب الأردني مهند الرفوع في روايته «القاتل والشريك» الصادرة مؤخرا عن دار موزاييك للدراسات والنشر بتركيا، بين ما هو واقعيّ وما هو تجريديّ رمزيّ، معتمدًا على حبكة قوية قائمة على مجموعة من التقنيات الفنية، ليرسخ بذلك في ذهن القارئ ملامح تجربة سردية متميزة واضحة المعالم تنهل من رحم الحياة والواقع المتخم بالآهات والوجع والآمال والصبر والقهر وتدفع بالقارئ لفكّ رموزها والسؤال عمّن هو القاتل ومن هو الشريك؟

ولئن اشتغل الرفوع على هذا الموضوع في روايته الأولى «خناجر الظل»، فإنَّنا نراه بعد ثلاث سنوات يعيد العمل عليه في روايته الثانية ولكن بشكل جديد يبدو فيه التمكن واضحا من الصنعة الفنية الروائية. وكأنَّنا به يريد أن يقدم إضافة إلى ما كان قد بدأه، كحال الكُتاب الباحثين دومًا عن التجدد والتواقين إلى ولوج عوالم جديدة.

ذلك أنَّ القارئ الذي يسترسل في تتبع البطل (ماجد، السارد العليم)، يكتشف، عند اقترابه من نهاية الرواية، أنَّ ذلك البطل الذي كان يعتقد أنَّه على قيد الحياة وأوهم نفسه بانتصاره، قد مات مقتولاً، لكنه يواصل حديثه وإدراكه لما يحدث وكأنّ الموت ليس ذاك الذي نعرفه عندما تتوقف أعضاء الجسم عن الحياة، لكنّه موت رمزي لكل العاجزين والمستضعفين الذين خانهم الأمل في أن يثقوا في قدرتهم على التغيير ويتصدّوا للفاسدين والظالمين، وبذلك يمكن القول إنّ الرفوع يطرح مفهوما رمزيا للحياة كونها مرتبطة بالقدرة على الفعل. فمتى كان العجز ?ن الفعل كان الموت.

كما لا يخفى على القارئ ما تحمله الرواية من نَفَس تراجيدي شبيه بتراجيديا الميثولوجيا الإغريقية التي تُذكِّر بعبثية الحياة، وكأنَّنا من جديد أمام سيزيف يحمل تلك الصخرة للأعلى لكنها ترتدّ عليه من جديد في كلِّ مرَّةٍ لتشي بعبثية المحاولة في بحثه الوجودي عن معنى الحياة. ففي سياق الرواية ظهرت كل تلك المحاولات للقطع مع الضعف والانكسار لا معنى لها، مما يثبت سعي الكاتب إلى كشف زيف المشهد السياسي العربي عموما وما يشوب لعبة صناعة القرار من سوداوية ووهن، حيث بدت كل تلك الشحنات التي تحلى بها البطل لوضع حدٍّ للظلم والقه? والثأر من القاتل الذي يرمز لمنظومة كاملة من السيطرة والنفوذ، غير كافية، وباءت محاولته بالفشل، بل إنه هو الذي قُتل في النهاية. بينما فرَّ القاتل (نبيل حجازي) من العقاب بتواطؤ ممن يتحكمون في اللعبة، وهذا ما يكتشفه القارئ في نهاية الرواية فيصاب لوهلة بوجع كبير، لكنه سرعان ما يسترجع نسق الإرادة ليتساءل: من هو الشريك الحقيقي للقاتل؟

وكما أنّ السؤال طريق المعرفة، فإنّ الرغبة في معرفة الشريك تجعلنا ندرك أنّ مقاصد الرواية أوسع مما تحدده شخصياتها وإطارها المكاني، وأنّ الشريك هو كل مَن سمح لكرة الثلج أن تكبر وتبتلع ما يعترضها. فيتجاوز الشريك بذلك تلك الصورة النمطية ليرتبط بمنظومة مجتمعية وسياسية كاملة. وربما لولا الشريك لما كان هناك قاتلٌ. «فالخوف من قول الحقيقة أشدُّ عذابات الإنسان»، وهو ما مهّد به الرفوع لروايته.

ولعل النهاية التي اختار الكاتب لروايته وأراد أن تكون مترعة بالحزن واليأس هي التي تقودنا للتساؤل: لماذا اختار الرفوع أن تكون كذلك؟ هل فقد كلَّ أمل في الإصلاح أم هي مجرد حبكة سردية على نسق الروايات البوليسية لا غير؟

إنَّ مظاهر فلسفة العبثية التي تبدو واضحة في نص الرفوع، لم تختص بها نهاية الرواية فحسب، بل برزت واضحة أيضا منذ بدايتها عندما قرر «نبيل حجازي» أن يحول ماجد من ماسح أحذية إلى «معالي الوزير». وكأننا بالكاتب أراد أن يكشف عن قبح الواقع السياسي في أبشع تجلياته المتمثلة في السلطة حيث تتحول من غايتها القيمية كأداة لمساعدة الناس من أجل حياة أفضل إلى مجال للتلاعب بأحلامهم وخدمة مصالح المتنفذين على حساب آمال الضعفاء. ولم ينسَ الكاتب أيضًا أن يكشف كل ما ارتبط بذلك من خلفيات متشابكة سواء منها المتعلقة بثقافة المجتمع أم ?السياسة والإعلام أم بالمال. فما معنى أن يتحول ماسح أحذية إلى وزير؟ وهو ما يجعلنا نتيقن أن الرفوع قد دمج الواقعيّ بالرمزيّ ودفع بقارئه لفكّ شيفرات رموزه حتى تتضح أمامه الحبكة السردية ومقاصدها ويكون القارئ بذلك شريكاً في بناء النصِّ وفق تأويلاته ومهارته في الفهم والاستبطان.

وكما يخوض الصوفي غمار تجربته الروحية بحثا عن الله بعيدا عن فلسفة الماديات، اختار الكاتب أن يخوض «ماجد» و«رزان» تجربتهما الصوفية بحثا عن الحب والعشق بعيدا عن مخلفات الماضي وارتباطات الواقع وٍالتزاماته، وكأننا به قد استلهم نقاء الروح الصوفية ليبني جسرا يصل بين قلبيهما رغم أنّ كلّا منهما من عالم مختلف، لكنهما اجتمعا في الحياة كما في الموت. وها هي «رزان» تقول في رسالتها التي اختار الرفوع أن يختم بها روايته: «انتشلني ماجد من قاع الحياة الرتيبة، وأخذني إلى فضاءات عشق عذراء، ما عشت قبل ماجد أبدًا. كانت أياما بليدة جوفاء. أما الآن، فالأيام دهرٌ من ال?دّ، وليس لي حديث إلّا عن الحب». فهل أراد الكاتب أن يخبرنا عن عدم ثقته في كلِّ شيءٍ إلّا في الحبّ، فهو وحده الطريق الخصبة بالحياة وإن سلكها الموت؟ أم إنه تعمّد هذه النهاية ليستكمل وضع اللمسات الأخيرة على هيبة اليأس والانتهاء إلى الفشل والعدم.

«القاتل والشريك» رواية ثرية لمن أراد أن يُبحر في تقنياتها وبنيتها وتأويلاتها. وهي لئن بدت مرتبطة بالواقع المحلي من خلال ذكر الأماكن الخاصة أو العامة، إلّا أنّها قبل ذلك نص متحرر من المحلية الضيقة لتنفتح على المشهد السياسي العربي وتلامس أوجاع القارئ العربي.