سارة سليم (كاتبة جزائرية)

عظيمةٌ هي الأعمال الأدبية التّي لا تستجيب لمنطق القوالب الأدبية بقدر استجابتها لمنطق الحياة. نحن هنا أمام رواية ليس كتلك التي اعتدنا عليها بشخصيات مُصطنعة، شرّيرة كانت أم خيّرة، فهي تقدم شخصية خيالية تعود جذورها إلى حقب ماضية، مجازاً، إلا أنها واقعية وما تزال تحمل غبار الأنقاض الذي خرج للتو من تحتها.

للوهلة الأولى، تبدو أفكار ميلاد بن كنعان في رواية «في الطريق إلى برلين» غامضة وغير مفهومة، إلا أنها، فصلاً بعد فصل، تبدأ بالتبلور، وليس من المستغرب أن يتماهى القارئ معها ويتابع أحداث البطل، ضمن عالم يغصّ بالكوابيس والمخاطر التي تعترض اللاجئين في بحثهم عن ملاذ آمن.

عاملان يميزان هذه الرواية الصادرة ليوسف وقاص عن دار المتوسط/ ميلانو (2021): الغرائبية والسخرية السوداء. يضاف إلى ذلك البنية المتقاطعة والأسلوب واللغة المختصرة. يجدر التنويه إلى أن وقّاص من أوائل الأدباء المهاجرين الذين يكتبون باللغة الإيطالية، وبالتالي من السهل ملاحظة تأثره بالكتّاب الإيطاليين، سواء من حيث الأسلوب أو من حيث التقنين في سرد تفاصيل خارج سياق النص، وإبراز ما يريد المؤلف أن يقوله عبر صور وإيحاءات تنقل بطريقة غير مباشرة مدى شراسة الحرب وآثارها البشعة ومكابداتها السيكولوجية الحادة، كالفصل الذي يحمل عنوان «الرعب، رغم أنه حقيقي، إلّا أنه كان يبدو سخيفاً»، أو «زعيم التماسيح وأعوانه يتراجعون إلى الماء بعدما أصُيبوا بإحباط عميق».

يستحضرني هنا ما قاله هوشنغ كولشيري: االكاتب الجيّد يستطيع إصابة الهدف في القلبِ مباشرة، لكنّه لن يفعل هذا، بل سيحاول التصويب قريباً من القلب وباتجاه الحافة»، وهذا ما يفعله يوسف وقاص، إذ إنه يروي الحرب في سوريا بطريقة مختلفة عن المعهود، وبرؤية عميقة وأسلوب جديد وبنية متجددة تفي بالغرض وتذهب أبعد من ذلك في تحفيز القارئ ودفعه للتأمل في عبثية الحرب ورعونتها التي فاقت كل تصوّر. «‏الكاتب الشجاع ليس من يجد قصّة جديدة، بل من يجد طريقةً جديدة في سرد قصّة قديمة»، يقول شهريار مندانيبور.

إنها رحلة شاقة وصعبة تلك التي يأخذنا إليها وقاص في روايته التي صدرت باللغة الإيطالية، ثم ترجمها الكاتب إلى العربية، لتكون أوّل أعماله المنقولة إلى لغته الأم.

في هذه الرواية، نكتشف عوالم وقاص المثيرة للاهتمام والريبة، والتساؤل أيضاً، فهو يكتبُ الرواية كما يجب أن تكون، على أساس صورتها الحالية، إذ إنّه عبّر من خلال فكرة اللجوء، أو سردية اللجوء، عن رحلة مجموعة من اللاجئين إلى «برلين» في رحلة غرائبية تعيد إلى الأذهان جحيم دانتي، وهو ما ذكره الكاتب في غير مقطع في الرواية.

سمة السرد العفوي والعناية بماهيات الأشياء هي ما تعمل على إضفاء انطباع يخالف الواقع ومن جهة أخرى يثريه بحكايات تأتي أحياناً من الماضي وأحياناً من الحاضر. الحكاية الحقيقية التي تقوم عليها الرواية هي الحرب، ولكن الكاتب يجعل الطريق إليها تمر عبر عوالم سحرية: الذاكرة والرغبة، بالإضافة إلى العقلنة المفرطة للبطل عادل التي غالباً ما تكون مخالفة لأيّ منطق، وهو ما ينطبق بالضبط على الحرب الدائرة هناك.

قرأتُ مرّة عبارة صادقة يقول صاحبها: «‏أعظم تعاطفٍ مع شخصية روائية، هو أن تتعاطف مع شخصية لا تشبهك ولا تؤمن بأفكارها ومع ذلك تجدك منجذباً ومتعاطفاً معها وتسكن ذاكرتك». هذا ما يحدث لقارئ رواية «في الطريق إلى برلين»، إذ إنّه يتعاطف لا شعورياً مع ميلاد بن كنعان. أعتقد أن هذا أكبر انتصار للكاتب، ألّا يؤجّج مشاعر الكره أو المحبّة داخل القارئ، بل يجعله يقرأ كشخصية متوازنة تتفاعل إنسانيّاً مع ما تقرأ، خاصّة أنّ بعض أبطال الرواية من إفريقيا والهند (كونغاوو وراميش)، فقد ركّز الكاتب على الجانب الإنساني في شخصيتيهما، ?يضع الرواية في قالبها الصحيح، المتمثل في الإنسان والتوغل في مكنوناته.

في هذه الرواية يكتشف القارئ شكلاً جديداً من أشكال الكتابة، فالرواية كما هو معروف ليست قصّة محكيّة بشكل متقن أو تقدم مادّة يعرفها القارئ، بل هي ما يتجاوز ذلك، إلى الشّكل الذي يقدَّم به العمل وكيفية صياغة فصوله المتداخلة، وهو أمر ربما يثير الاستغراب في البداية، على أنه سرعان ما يتوضح كلما توغلنا في القراءة وبدأنا نلمس باطّراد المكامن الخفية لهذه الرحلة التي لا تنتهي حتماً في برلين الرمز، فهي ما زالت مستمرة، حتى إننا بدأنا نسمع أصداءها بين قبائل الإسكيمو، وفي أقاصي الأرض أيضاً.

يقدّم لنا يوسف وقاص في هذه الرواية شخصية تعاني الذهنية والانفصامية، إذ إن بطله يروي كل ما حدثَ في سوريا الماضي والحاضر وكل ما تعاقبَ عليها من أزمات حتّى الآن، وخاصّة تلك التجاذبات التّي أحدثتْ انقسامات داخل وعي الفرد السوري. كانت «ناديا» أو سوريا، حاضرة، وعبّر عنها الروائي على لسان الكثير من أبطاله، إذ نقرأ في أحد الفصول: «دفنت ناديا بسرعة في ذاكرتنا الجماعية». هنا لم يقل «ذاكرتي»، أي ذاكرة الراوي، بل الذاكرة الجماعية، مما يؤكد أنّ العمل ينطلق من شخوص الرواية، للحديث عن مأساة شعبٍ بحاله، ففي هذه الرحلة الش?قة لا يصفُ الكاتب المشاهد كصور يمكن لأيّ شخص التفاعل معها، بل يذهب بعيداً إلى ما وراء الصورة واللغة، للحديث عن السوريين الذين صنعتْ منهم الحروب كائنات مشوّشة ومحبطة.

هؤلاء الذين «يبدو أنهم تخلّوا عن أيّ جُهد للبقاء على قيد الحياة» على حدّ تعبير الراوي، فهم يعيشون انفصاماً وحالات من الضياع والشتات النفسي، ويُحاولون الخروج من ذلك بأن يجدوا تفاسير لكلّ الأحداث، كي يستطيع الواحد منهم أن يتصالح مع ماضيه بطريقة تجعل الحياة تبدو كفكرة مستساغة وقابلة للعيش، فيوسف وقاص لم يقدّم أبطالاً خارقين، بل قدّم لنا فئات هشّة، مُحطمة، انتزعت الحربُ شيئاً منها: «ولم يشأ أنْ يريني ذراعه التي تحولت إلى أشلاء». فئات تحاول ألّا تفقد ذاكرتها: «فإذا ما تخلّيت عنه فأيّ ذاكرة تبقى لنا»، فهي تقاوم ?أجل ألّا تسلب منها: «سيجردونكم من كل شيء، حتى من ذكرياتكم».

ونقرأ في الرواية عبارة مؤلمة جداً: «يمتهن آلام الآخرين». وعلى ما يبدو أن الكاتب أراد من خلالها القول إن بشاعة الحرب وما تركته من آثار وتداعيات يتجاوز الصورة التي يروّج لها الإعلام بالتعامل مع الأحداث كـ«سبق صحفي».

الأكيد أن هذه الدقة والحيادية في كتابة الأديب عن بلده، دون محاولة منه لتقييد شخوص عمله بآرائه الخاصة، تُعدّان تحديّاً، خاصة أنّ الكتابة باحترافية كبيرة عن شخصية كشخصية ميلاد بن كعنان مصابة بازدواجية حادّة، تشكل هي الأخرى تحديّاً. يقول ماريو فارغاس يوسا: «‏الروائي الذي لا يكتب حول ذلك الذي يحثّه ويطالبه في أعماقه ويختار ببرود شؤوناً أو موضوعات بطريقة عقلانية معتقداً أنه يتوصل بهذه الطريقة إلى النجاح بصورة أفضل، هو كاتب غير حقيقي».

العديد من العبارات التي وظّفها الروائي ضمن المتن ذلت مدلولات تتجاوز الرواية بحدّ ذاتها، لتُمكّن القارئ من فهم الرواية واستيعابها بحواسه كلها، كهذه العبارة التي يقول فيها: «عيناه الداكنتان كانتا تعكسان سوءَ تفاهمٍ تاريخياً». وصفٌ عميق لما يمكن أن تقوله لغة العيون في زمن باتتْ فيه اللغات جميعها عاجزة عن وصف بشاعة الحرب وتأثيرها في الفرد على مر التاريخ.

منحَ يوسف وقاص للقسوة أيضاً مفهوماً مغايراً، على الأقل بالنسبة لمن عايش الحرب، اللجوء والتشرد في أصقاع العالم، فالقسوة بالنسبة لهم هي رديف الحياة، إذ يقول على لسان الراوي: «لا يمكننا حلّ أيّ شيء إن لم نكن قساة».

اللغة أيضاً بالنسبة لهذا الروائي هي الأخرى تحمل الصلابة نفسها التي يحملها الفرد في مواجهة لجوء من نوع آخر، هو اللجوء اللغوي": «لا يمكن لأيّ لغة أن تتطور إذا كانت لا تمتلك بنية تحتية صلبة».

قدّم يوسف وقاص للقارئ رواية لا تُملي شروطها عليه، بل يمكنه من خلالها أن يستوعب ما حدث بشكلٍ واعٍ يمنحه القُدرة على معرفة وفهم أولئك الذين عبّر عنهم الروائي بقوله إنهم «يؤمنون بأبدية الوقت». هكذا هي رواية «في الطريق إلى برلين»، ذاكرة يوسف وقاص في مواجهة النسيان.