ربا الناصر (كاتبة أردنية)

الإقبال الشديد على حضور حفلة للرقص الصوفي بدا طاغيا، لحظات وكان المدرج الروماني قد امتلأ بالحضور رغم برودة الطقس، اعتلت الفرقة المسرح وبدأ عزف الناي يرافقه الدف في تحفيز الراقص بالدوران حول نفسه وجعل «تنورته» تتحرك هبوطا وصعودا وسط إعجاب الجمهور، وما إن بدأ برفع يده اليمنى للأعلى حتى بدأت زخات من المطر تسقط علينا، وكأنه دعا الله أن ينزل المطر الذي فرّق الجمهور في لحظات ليبدأوا في البحث عن أيّ زاوية مسقوفة يحتمون بها حتى توقّفه.

لمحته من بعيد كما يلمح العطشان سراب ماء في الصحراء، ملامحه لم تتغير، سوى أن بعض الشيب بدأ يغطي أطراف شعره، ربّتُّ على كتفه مقاطعةً حديثه مع أحد الأشخاص، نظر إليّ كأنه ينبش في دفاتره القديمة ثم ما لبث أن تذكّرني وقد علت ابتسامة على شفتيه ثم قال:

- منال! لا أصدق عيني. مر زمن طويل لم ألتق بك خلاله!

- عشر سنوات منذ أن تخرجنا في الجامعة! الوقت يمضي كلمح البصر، سعيدة أني التقيت بك صدفةً في الحفلة.

المطر ما يزال يسقط بهدوء وسط حديث مفعم بالحماسة والشوق، نتذكر خلاله أيام الدراسة الجامعية عروجا على مرحلة الحياة العملية التي تلتها، استرجعنا الأحداث كما لو أننا نقرأ نصا في كتاب.

لم ألمح في يديه أيّ خاتم، مما أدخل الطمأنينة إلى نفسي. ما يزال أعزب مثلي، وسألني عن حالتي الاجتماعية! يا لبركة هذه الحفلة.. يبدو أن بابَ حُبّ فُتح لي!

توقف المطر أخيرا وبدأنا العودة إلى مقاعدنا، ودّعني على أمل لقاء قريب. وما إن بدأ العزف مجددا وانطلق الراقص بحركاته الدورانية، حتى وجدُتني أصوّب عينيّ تجاهه أراقب حركاته وهو منهمك في مشاهدة العرض، وفجأة وإذ بسيدة تجلس جواره تهمس في أذنه وقد بدا عليهما الانسجام وكأن علاقةً ما تربطهما، لم أعد أكترث للحفلة ووضعت جلّ تركيزي معهما أرقبهما من بعيد والغيظ يملأ قلبي لحظي العاثر حتى انتهت الحفلة.

تفرق الجميع، وبقيت وحدي! نظرت نحو السماء، ابتسمت وتمنيت أن تمطر حتى ألتقي بأحدهم تحت زاويةٍ مسقوفة وأفضفض مجدّدا.