عبدالله آل الحصان (كاتب أردني)

تُعد المرونة من أهم السمات التي اتسمت بها الأغنية الشعبيّة على مر الزمان، نظرا لعدم وجود نص مدون سواء كان هذا النص شعريا أو موسيقيا، وهذا ما أنتج نصوصا عديدة للأغنيّة نفسها، وبالتالي فإن سمة المرونة التي تتسم بها الأغنية الشعبيّة بقابليتها للتغيير والتشكل ساهمت على بقائها في ذاكرة الناس؛ يرددونها كجزء من ثقافتهم العامة.

ولعلَّ هذه السمة جعلت الأغنية الشعبيّة تبلغ أوج ازدهارها بين أبناء المجتمع؛ نظرا لقدرة المؤدين على تغيير نصوص الأغاني وفقا للمعطيات والحالة التي تستوجب التغيير أو التبديل في بعض الكلمات، أو ابتكار نصوص مستوحاة من النص الأصلي ارتجاليا في الغالب. ومع انتقال الأغنية من فرد إلى آخر، ومن مجموعة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل، عن طريق الرواية، تعرضت هذه النصوص للتغيير بشكل واضح، ما يجعل من الصعب التمييز بين النص الأصلي والنصوص المُعدَّلة.

هذه المرونة جعلت الأغنية الشعبيّة تعيش بشكلٍ دائم في ذاكرة أبناء المجتمع، الأمر الذي يعني الديمومة، مع الأخذ بالاعتبار أن الأدب الشعبي قد بدأ في مكان ما وانطلق منه، ونعني هنا النص الأصلي لهذه الأغنية، ولكن، لا يمكننا نفي صفة الأصالة عن هذه الأغنية في حال ظهرت في مكان آخر، فالأغنية الشعبيّة ملك المجتمع، وله حق التصرف بها، كيفما شاء. هذا من الناحية الاجتماعيّة, ومن الناحية التاريخية، تبقى مهمة الباحث للوصول إلى النص الأصلي.

ومع هذا كله، فإن الانتقال الشفاهي، ساهم بذلك بشكلٍ كبير في وجود نصوص متنوعة لهذه الأغاني، وذلك بشكل متعمد أو غير متعمد من خلال الخطأ في السمع أو عدم الفهم أو النسيان، وهذه المتغيرات عادةً ما تكون على حساب الأغنية نفسها، الأمر الذي دفع المعنيين بدراسة الأغنية الشعبيّة إلى الانقسام في هذا الشأن إلى فريقين؛ واحد يرى أن الانتقال الشفاهي يمنح الأغنية قوة، والثاني يرى أن الانتقال الشفاهي ساهم في تدهورها.

وقد درج الانتقاء عند معظم المؤدين الشعبيين، فهم يختارون ما يرغبون به من النصوص الغنائية، ما جعل الأغنية الشعبيّة مجتزأة من اللون الغنائي نفسه، وربما يقومون بانتقاء لون غنائي معين، ما يتسبب في حفظ ما تم اختياره من نصوص الأغاني بشكلٍ عام وانتشار لون غنائي على حساب سواه.

وهناك من يخلط أغنية شعبيّة بأغنية من لون آخر، ما يعني ضياع الأغنية الأصلية، وهذا ما ينطبق على اللحن وطريقة الأداء والرقصة الشعبيّة المرافق للأغنيّة، فضلا عما يقوم به شعراء الأغنية حين يختارون نصا أو لحنا شعبيا يكون بداية الفكرة لكتابة تلك الأغاني المستوحاة من التراث الشعبي.

ولهذا، فإن المرونة جعلت الأغنية الشعبيّة تميل إلى الوضوح والبساطة، والقدرة على التغيير بحسب ما يحتاجه الموقف أو المناسبة، وهذا الأمر جعل هذه الأغاني معبرة عن المجتمع وعن أفكاره وآماله ومعتقداته، بتعدد الوظائف التي يؤديها كل لون منها.

فعلى سبيل المثال؛ حين يُشارك أبناء المجتمع في السهرات الاحتفالية الخاصة بالأعراس، يتم تغيير الأغنية كليا أو جزئيا، كأن يوضع اسم العريس وتُذكر المنطقة والعشيرة تكريما لها واحتفاءً بها،. والأمر نفسه في المناسبات الوطنيّة، إذ يجري تحوير الأغنية الشعبيّة ومدح الأبطال والاعتزاز بالرموز والافتخار بالوطن، وكذلك الحال في أغاني النساء وأغاني العمل وغيرها، بهدف جعل الأغنية تتناسب مع مجريات الحدث.

إن الأغنية الشعبيّة عموما تمتاز بالاستمرارية والدوام الذي يربط الماضي بالحاضر، ومع أن المرونة جعلت هذه الأغنية مستمرة وحية عبر الزمن إلا إن البحث في جذور النص الأصلي للأغنيّة بات من بديهات عمل الباحث أو المختص للوصول إلى نص الأغنية الأصلي قبل أي تغيير أو إضافة، وفي الوقت نفسه بات من الصعب على غير الباحث أو المختص التفريق بين الأغنية الأصلية والأغنية المعدلة وصولا إلى اللحن وطريقة الأداء.