في خضم النقاش وتقاذف الاتهامات والمغالبة عبر مشروع التنقيب عن النحاس في محمية ضانا ووادي فينان جنوب الأردن والجدل البيزنطي لهثاً خلف غيبيات الأرض الأردنية وأسرار التنقيب، يخرج علينا تقرير علمي يتعدى الآثار المادية للأرض الأردنية الجنوبية، ففي وادي فينان حيث الاكتشافات الأثرية المتأخرة زمنيا عن الحقب الأولى لخلق الأرض، كانت هناك بعثة علمية دولية يقودها باحثون إسرائيليون وأميركان من جامعتي تل ابيب وكاليفورنيا سان دييغو، غاصت في أعماق الجيولوجيا والطبوغرافيا القشرية وآثار وادي فينان في الطفيلة لاستكشاف قوة المجال المغناطيسي للأرض الأردنية قبل 10 آلاف عام، وكيف سيتغير المناخ والبيئة بارتفاع قوة المجال المغناطيسي الخطيرة.

التقرير الذي نُشر مؤخرا في مجلة (PNAS) حسب «واي نت » يشير الى بعثة متخصصة فحصت أدوات خزفية وصواناً محترقاً في مواقع أثرية تعود لما قبل التاريخ في جنوب الأردن وقد يكون للمعلومات حول المجال المغناطيسي في العصور القديمة تأثير على فهم المجال المغناطيسي اليوم، وأفاد الباحث الرئيس للبعثة أنه منذ 7600 عام كانت قوة المجال المغناطيسي أقل مما هي عليه اليوم، ولكن عبر 600 عام أصبح المجال أقوى ويرتفع إلى مستوى مرتفع مرة أخرى ويدعو للقلق.

البحث الذي قاده البروفيسور إيريز بن يوسف من قسم الآثار في جامعة تل أبيب بالتعاون مع المختبر المغناطيسي للبروفيسور ل.توكس بجامعة كاليفورنيا توصل لاكتشاف نتائج نادرة حول المجال المغناطيسي الذي كان سائدًا في منطقة الأردن منذ حوالي 10000 إلى 8000 عام، حيث تم رصد المجال المغناطيسي لتلك الفترة مقارنة بقوته اليوم وظهر أنه في اتجاه لازدياد قوته، ما أثار قلق الباحثين في المناخ والبيئة.

وحسب البروفسور بن يوسف، فقد عرّف ألبرت أينشتاين المجال المغناطيسي للأرض كواحد من أكثر خمس ظواهر غموضا في الفيزياء الحديثة، إذ يتم إنشاء المجال المغناطيسي من خلال عمليات تحدث في مكان مجهول تحت عمق 3000 كيلومتر داخل الأرض، مشيرا الى الإنسان قد وصل لأعمق مسافة حفر لعمق 20 كم فقط عند نقطة التلامس بين قشرة الأرض والمعدن السائل الموجود تحتها، والمجال يحمي الأرض من القصف المستمر للإشعاع الكوني، الذي يبقي على وجود الحياة.

وتقول الدراسة الحالية إن أربعة مواقع أثرية في وادي فينان قد تم تأريخها باستخدام الكربون 14 إلى العصر الحجري الحديث، حوالي 10000 إلى 8000 سنة، وبعضها يعود إلى اختراع الخزف إذ تم ربط القطع الخزفية بالعناصر الموجودة في الحفريات كالحجارة المحروقة وأدوات الصوان المحروق ومن خلاله تم استعادة قوة المجال المغناطيسي القديم، والذي يؤشر وفقًا لرئيس البعثة الإسرائيلي فإن هذا الاكتشاف له أهمية بالغة منذ أن بدأت القياسات قبل حوالي 200 عام، وكان الانخفاض مستمرا في قوة المجال، وهذه الحقيقة تثير الخوف من أننا قد نفقد المجال المغناطيسي تماماً، وهو الدرع التي تحمينا من الإشعاع الكوني كضرورة لوجود الحياة على الأرض.

الى هنا انتهت قصة البحث العلمي الخارق لنواميس تفكيرنا وسياساتنا، ولكن السؤال الساذج: إذا كان العلماء يقودون الجامعات ومراكز البحوث العلمية المتطورة ويأتون الى جنوب الأردن لاستكشاف الأرض الصمّاء ويضعون تصورات للحياة بعد هذا العصر، فلماذا لا نزال نطيح بالقامات العلمية والعالم يتقدم كل يوم مئة سنة علمياً، ويأتينا العلماء الأجانب ونحن نيام ننتظر الأرض تتفجر ينابيع من الذهب المصفى، حتى العرب الذين كانوا يسرحون فوق الرمال الحارقة اكتشف الغرب النفط والغاز من تحت أرجلهم، واليوم تقدموا علينا بفضل سعيهم لاستقطاب خيرة خبراتنا من الشباب الذي لم يجد فرصة بين أهلهم؟ لا أريد جواباً على ذلك.

Royal430@hotmail.com