تناقلت وسائل الإعلام قبل أيام خبرا مفاده بأن عددا من رؤساء وأعضاء مجالس المحافظات في المملكة قد ناشدوا جلالة الملك بأن يمارس حقه الدستوري بعدم التصديق على مشروع قانون البلديات واللامركزية الجديد، حيث قدموا مجموعة من المبررات والحجج القانونية التي يعتقدون أن من شأنها أن تسهم في تراجع تجربة اللامركزية في الأردن. وقد أصر الموقعون على المناشدة على أن قانون اللامركزية الحالي هو الأفضل، وبأن ما تضمنه مشروع القانون الجديد من نصوص تتعلق بتشكيل مجالس المحافظات يعد خطوة إلى الوراء في مجال الديمقراطية التمثيلية على مستوى الوحدات المحلية.

ويبقى اللافت للأمر ما ذكره رؤساء وأعضاء مجالس المحافظات في مناشدتهم بأنهم قد قاموا بنقل ملاحظاتهم على مشروع القانون الجديد إلى اللجان النيابية المختصة، وذلك خلال الحوارات واللقاءات التي جمعتهم مع أعضاء مجلس النواب، وأنه رغم ذلك لم يتم الأخذ بها في مسودة القانون.

إن العملية التشريعية كما رسم ملامحها كل من الدستور الأردني والنظام الداخلي لمجلس النواب تقوم على اعتبار اللجان النيابية هي الأساس في مناقشة مشاريع القوانين وإقرارها. ولهذه الغاية، فقد جرى السماح لأعضاء المجلس بأن يحضروا اجتماعات اللجان النيابية مع الخبراء الذين يتم دعوتهم للاستماع لآرائهم. فالاستعانة بالخبراء والمختصين وإن كان من قبيل الاستئناس الذي لا يلزم اللجان المعنية، إلا أنه لا بد وأن يكون لدى النواب الأعضاء المبررات والأسانيد القانونية والفنية الكافية للرد على ما يقدم لهم من مقترحات وملاحظات على مشروع القانون. فلا جدوى من دعوة الخبراء والاستماع إلى موقفهم من مشروع القانون إن لم يكن لدى اللجنة النيابية القدرة على الرد عليها وتفنيدها كمبرر لعدم الأخذ بها وتضمينها مسودة القانون محل النقاش.

إن ما تضمنته المناشدة الموقعة من رؤساء وأعضاء مجالس المحافظات إلى جلالة الملك من مآخذ على مشروع القانون الجديد هي ملاحظات موضوعية تستحق أن يتم الرد عليها وتقديم المبررات المقنعة لعدم تبنيها. فالقول بأن مجالس المحافظات ستفقد استقلاليتها في مسودة القانون الجديد من خلال تعيين رؤساء البلديات والألوية وأعضاء الغرف التجارية والصناعية واتحاد المزارعين بالمقارنة مع القانون الحالي الذي يعتمد عنصر الانتخاب هو قول سديد. فالانتخاب هو الأساس في تشكيل الإدارات اللامركزية، وأن التعيين يجب أن يتم التعامل معه كاستثناء، وألا يتم التوسع في تفسيره وتطبيقه.

إن الباب ما زال مفتوحا أمام مجلس النواب بأن يتدارك أي تراجع في المبادئ الأساسية لتشكيل الإدارات اللامركزية، وأن يأخذ بعين الاعتبار الملاحظات التي قدمها المختصون وأصحاب الشأن، وأن يوليها الأهمية المطلوبة سواء بتضمينها نصوص القانون الجديد، أو على الأقل تقديم الردود القانونية المقنعة التي تدحض مثل هذه الاتهامات التي تطلق اليوم على مشروع قانون البلديات واللامركزية الجديد. فهذا القانون مرفوض من الأطراف المعنية به حتى قبل صدوره وصيرورته نافذا.

أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية