«محمد الثاني» أبو حمد

(كاتب أردني)


ليس ثمَّة ما يدفعني إلى الاشتباك مع النقَّاد والمثقَّفين باختلاف مدارسهم وتياراتهم في موضوع معاينة الأدب العربي ومكانته عالميّاً، سوى الشعور بالمسؤولية تجاه موروثنا العربي على وجه العموم، غير أني تحمَّست أكثر عند قراءتي كتاب «الصوت والصدى؛ مراجعات تطبيقية في أدب الاستشراق» الذي يستهلّه الناقد غسَّان عبد الخالق بحكاياته ومواقفه مع بعض المستشرقين، ومن ضمنها قصته مع الإيطالية «باميلا مونزوني»، التي درّسها «علم الكلام الإسلامي» باللغة العربية عام 2002 وكانت تجهش بالبكاء كلَّ حصة تدريسية لعدم معرفتها باللغة العربية وأسرارها.

ورغم أني أنجزت مقالة حول الكتاب، تمثَّلت فيها قراءتي وانطباعاتي، إلا أن حديثاً طويلاً بخصوص اهتمام الغرب بالأدب العربي أحالت إليه قصة «باميلا»، ما دعاني إلى الوقوف على حدود الأدب العربي: القومية والعالمية.

إن الشعر عند العرب ليس كغيره من الفنون الأدبية؛ فهو لسانهم وتاريخهم وحضارتهم وقوميتهم وغيرها، ولهذا، فإنَّ أيّ محاولة لتناول المنجز الأدبي العربي بتجاوز الشعر غير ممكنة، بل هي محض إجحاف في حقِّ العرب ومنجزهم الأدبي. ولمَّا كان الحديث عن الشعر العربي وأهميته وحضوره في المشهد الثقافي العالمي، فإن هذا يعني ضرورة الوقوف مجدَّداً على تأثر الشعراء الغربيين به، واستلهامهم روح الشرق في بناء الصور والرموز وحتى فلسفتهم الشعرية.

ولا يخفى على أحد تأثر الشاعر الألماني «يوهان غوته» بالأدب العربي، وبخاصة الشعر؛ إذ كان مسحوراً بالمعلقات، وتأثر بترجمتها الإنجليزية التي أصدرها في لندن المستشرق الإنجليزي «وليم جونز»، كما تأثر بالشعراء الإسلاميين والفكر الصوفيّ الذي تجلَّى في قصائده، غير أنه كان من عشَّاق المتنبي، إلى درجة أنه ضمَّن بعض أشعاره في رواية «فاوست»، ووظَّفها توظيفاً معمَّقاً في مسرحياته ورواياته الأخرى لتكون شاهداً على تأثره به، ناهيك بتأثره أبلغ التأثر بالقرآن والإسلام نفسه والنبي الكريم.

لم يكن غريباً على «غوته» أن يتحدَّث عن إعجابه بالأدب العربي وإنصافه في كتابيه «الشعر والحقيقة» و«الديوان الشرقيّ للمؤلف الغربيّ»، لا سيَّما أنه أول من نادى بعالمية الأدب في ثلاثينات القرن التاسع عشر، بحثاً عن المشترك الإنساني بين الثقافات، ولم يكن غريباً أيضاً أن ينادي هذا الشاعر الإنساني بإزالة الحدود القومية للآداب جميعها؛ فهو الذي طالما حلم بجعل الأدب الألمانيّ أدباً إنسايّاً عالميّاً، ولكن سرعان ما تحطّم حلمه بظهور الحركات القومية واشتداد النعرة الوطنية. ولأنه لم يستأثر به أسلوب، ولم ينذر نفسه لمذهب معيَّن، بل عاش مفهوم الحسّ، يستوعب كل ما صادقه كأنما كان وكده وديدنه أن تتحقق في شخصه الإنسانيةُ كلُّها، ولأنه جمع بين الشاعر والعالِم الطبيعيّ والمفكِّر والفيلسوف؛ ناقض كلَّ المناقضة القولَ المأثور: «والشرق شرق والغرب غرب وهيهات يلتقيان»، ما جعل الشرق والغرب يجتمعان فيه معاً، ولنا في إعجابه بقصص التوراة في صباه، وافتتانه بسفر أيوب الذي رأى فيه المثال العربي الأصيل بما عُرف عنه من نجدة وشهامة وغيرها من الخصال العربية، خير دليل وبرهان.

صحيح أن «غوته» أطلق مصطلح «عالمية الأدب» بحثاً عن المشترك الإنساني بين الثقافات، ولرؤيته أن الآداب القومية بحاجة ماسَّة إلى أن تتخطى حدودها الضيقة إلى الحدود العالمية، ولكن، لمَ لا يكون تأثره بالأدب العربيّ وفلسفته أحد أول الأسباب التي استدعت حماسته لإطلاق المصطلح؟!

لم تتوقف المعاينات عند «غوته» وحده، بل اتضح بما لا يدع مجالاً للشكّ أن الشاعر الإيرلدنيّ «إدوار فتزجرالد» قد تأثر برباعيات الخيَّام، واستلهم منها روح الشرق الشعرية. وحتى الشعر الإيطالي، فقد خضع إلى المواجهات النقدية الكاشفة عن أصوله، وتبيَّن في عهد «فريدريك الثاني» أنه تأثَّر بالشعر العربيّ في صقليَّه.

لقد ظلَّ سائداً في ثقافات الشعوب الغربية أن الأدب العربي عموماً، والشعر منه خصوصاً، بعيدان كلَّ البعد عن الأدب العربيّ، واستقرَّ في أذهانهم أن الأدب الغربي يرجع في أصوله إلى الأدبين اللآتينيّ والإغريقيّ، عدا نفر قليل منهم، رأى أن الأدب العربيّ أصل من أصول الآداب الغربية الحديثة، ولعلَّ أبرزهم المستشرق الفرنسيّ «جيب»؛ إذ يُثبت في كتابه «تراث الإسلام» أن الشعر الفرنسيّ الغزليّ الجنوبيّ الذي ظهر في أواخر القرن الحادي عشر، لم يكن له أساس في الأدب الفرنسيّ القديم، وإنَّما هو في موضوعاته وأسلوبه ومعانيه ضرب من الموشحات والأزجال الغنائية الأندلسية العربية، التي تتمحور حوب نظرية (الغزل والحب العذريّ)، وعلى أيَّة حال، فإننا أمام تساؤل ضروريّ:

أليس من المنطق أن ينحدر هذا الضرب من الشعر الفرنسيّ الجديد عن الشعر الأندلسيّ العربيّ، وبخاصة إذا أخذنا بعين اليقين أن نظرية (الغزل والحب العذريّ) التي تدور حولها موضوعات هذا الشعر، لم يكن لها وجود أو أثر أو أصل في الأدبين اللآتينيّ والإغريقيّ؟!

ربما من الجائز الشَّكُّ في أن الشعر الغربيّ قد تأثَّر قليلاً أو كثيراً بالشعر العربي، لأنه لمَّا كان الشعر العربيّ أروع الفنون عند العرب وأكثرها أهمية وحضوراً في مشهدهم الثقافيّ، فإن جزءاً وافراً من بلاغته وصوره ورموزه ودلالاته وسحره سيضيع بالضرورة في عسر الترجمة وحتى يسرها، تماماً كما في ترجمة الشعر في كلّ الآداب واللغات؛ ذلك أن هذا الفن أصعب الفنون انصياعاً إلى الترجمة. ولكن الأمر المسلَّم به أنَّ نثر القرون الوسطى في أوروبا يرجع في كثير من أصوله إلى النثر العربيّ؛ فقد رصد كثير من النقَّاد والباحثين أن الأدب آنذك كان صارماً جامداً، يخاطب الخاصَّة ولا ينزل إلى أفهام العامَّة، ومن هنا كانت الحاجة الماسّة إلى ذلك الضرب من الأدب «الخياليّ» الذي يهتم بإشباع الحواس أكثر من اهتمامه بالمنطق والعقل.

ولمّا نقل الغرب عن الشرق بعض الحكايات ذات المغزى، وكثير من القصص الخرافية الخيالية كقصة «السندباد البحري»، وجدوا فيها حاجتهم، وأقبلوا عليها إقبالاً شديداً، فأصبحت بمثابة الخميرة للأدب الخياليّ الجديد، الذي أخذ ينازع الأدب التقليديّ مكانه، حتى ذاعت القصص الخيالية الرومانتية ذيوعاً شاسعاً، ولو أخضعنا هذه القصص إلى مجهر الكشف عن الأصول، لوجدنا أن كثيراً منها يرجع إلى أصل عربيّ بحت، الأمر الذي يعني أن التيارات الغربية في القرون الوسطى كانت أقرب إلى روح الأدب الشرقيّ منها إلى الأدبين اللآتينيّ والإغريقيّ اللذين كانا بطبيعة الحال أقرب إلى الأرستقراطية، والسبب ليس مجهولاً، فالأدب الشرقي في جملته ينزع إلى الخيال والألوان الجذابة، ولهذا، كان الغرب كلما احتكوا بالشرق استلهموا روحه، ما جعل الأدب الخيالي الجديد متأصِّلاً في آدابهم.

إن اجتياز الأدب العربيّ حدوده القومية الضيقة لا يقتصر على قضية التأثر والتأثير وحدها، بل يقاس الأمر بمدى انعكاس الأدب العربيّ على الشعوب الغربية وثقافاتها، ذلك لأن قضية التأثر والتأثير لازمة في كل الآداب والثقافات. وحتى لا ينكر عليّ قارئ عدم تطرقي إلى موضوع تأثر الأدب العربيّ بالأدب الغربيّ، فإنني سأرجع إلى المتنبي، الذي اطَّلع على كتب الفلاسفة والحكماء اليونانيين وغيرهم، تماماً كما فعل أبو تمام، وسأتخذ من الشاعر العراقي الكبير (بدر شاكر السيَّاب) مثالاً آخر؛ فمعلوم أنه تأثَّر أبلغ تأثر بالشاعر والناقد الأميركي الإنجليزي «تي إس إليوت»، وبتأثر السيَّاب وترجمته كثيراً من القصائد الغربية، نشأت حركة الشعر العربيّ الحر، ولهذا، تجد أنَّ السيَّاب يشترك مع «إليوت» بأصالة الصور وشمولية الرموز ووحدة القصيدة الموضوعية والعضوية.

وبالعودة حيث العنوان، فهل استطاع الأدب العربي اجتياز حدود المكتبات العالمية حقّاً؟

إنّ عالمية الأدب العربي لا تعني فقط ترجمة الأعمال إلى اللغات الأخرى، فها هو الشعر العربيُّ يفقد قيمته في الترجمة، كما لا تعني أن يجتاز نخبة من الأدباء العرب حدود القومية الضيقة ويحصدوا الجوائز الأدبية العالمية، وهل استطاعت الجوائز العالمية بدءاً من نجيب محفوظ، مروراً بمحمود درويش وهشام مطر وليلى سليماني والطاهر بنجلون وأمين معلوف وأدونيس وغيرهم، وانتهاءً بجلال برجس، أن تغيِّر في اعترافات الشعوب الغربية بخصوص الأدب العربيّ؟! وهل استطاع الأدباء العرب تغيير نظرة المجتمعات الغربية بخصوص أدب الشرق، إذ ينظرون إليه على أنه أدب غير ناجز، تماماً كما الشعوب الشرقية غير ناجزة اقتصاديّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً وحتَّى ثقافيّاً؟! وأيّاً كان الأمر، فما المؤشرات التي ترمي إلى خروج الأدب العربيّ من المكتبات العالمية وانعكاسه على آداب وثقافات الشعوب الأخرى؟

من الحقيقة التي لا يُختلف عليها أن الأدب/ الأديب العربيّ ليس حاضراً في المشهد الثقافيّ العالميّ كغيره الغربيّ، ولا يدرك قيمته باستثتاء العرب إلا نفر من الغربيين الذين يعرفون العربية، وهم فئة أو نخبة ضئيلة جدّاً. إذن فالقضية في محورها تدور حول معرفة اللغة العربية وأسرارها.. كم من غير العرب يعرفون هذه اللغة أو يبادرون إلى تعلُّمها؟ ولماذا يتعلَّم المرء غير لغته؟

غالباً، تكون الرغبة في التمكُّن من لغة سائدة فكراً وتواصلاً لأسباب ثقافية أو تجارية أو حضارية، والعربية ليست كذلك اليوم، رغم أن ثمَّة زهاء مئة وخمسين مليون نسمة يتكلمونها. إن الذي سيغري الآخرين بتعلم اللغة غير الدبلوماسيين الذين يتعلمونها لأغراض سياسية، هو ما يتحقق فيها من علم وأدب وإبداع تكون الأمم الأخرى بحاجته، والتساؤل المفترض الآن: هل بات العرب يتقنون اللغة العربية وفنونها الآن؟!

باعتقادي أن الأدب العربيَّ منذ نشأته وحتى الآن ما زال فتيّاً، وإن تراوحت مستويات فنونه بين صعود وهبوط، وبالتالي فهو قادر على اجتياز حدوده القومية الضيقة، لكن ثمَّة أهم ما يعيق حركته، وهو انصراف الشعوب العربية عن لغتهم، والأمر بتسارع وازدياد، الأمر الذي أدى إلى انصرافهم عن القراءة والكتابة، وبالتالي انحسار معرفة الأجيال الجديدة فيها، غير أن الأدب/ الأديب العربيّ ما زال عاجزاً عن النجاة من الصراعات السياسية، التي قزَّمت مكانته وموقفه في المشهد الثقافيّ العالميّ.