تأتي زيارة العمل الملكية إلى موسكو، بعد عدد من اللقاءات والأنشطة الدبلوماسية الأردنية التي توّجها جلالة الملك بزيارته التاريخية إلى واشنطن ولقائه كأول زعيم عربي بالرئيس جو بايدن منذ انتخابه.. فإذا ما نظرنا إلى النشاط السياسي والدبلوماسي الأردني وعلى رأسه جلالة الملك عبدالله الثاني ومدى الانفتاح البيني مع دول الجوار والإقليم والعالم سنقف مندهشين أمام القدرة الخلاقة لاستشراف التطورات السياسية واستباق تلك التطورات والاستعداد لها إيجابية كانت أم سلبية، وهذا بالضبط ما جعل الأردن مرجعية إقليمية ودولية في قراءة المشهد السياسي وتطوراته.

من هنا، ومن خلال الدور الذي تلعبه روسيا والتطابق شبه الكامل في أغلبية الملفات الإقليمية وبخاصة القضية الفلسطينية، ولما تقوم به روسيا من دعم للمواقف العربية وآفاق تطورها السياسي والتنموي والعسكري، فإن زيارة جلالة الملك تأتي لاستكمال مشروع الانفتاح الكلي ودون تحفظ على أحد بما يخدم المصلحة العليا للدولة الأردنية وشعبها الصامد الصابر.

إن التعاون الروسي والأردني طال كل المجالات وبخاصة السياسية والعسكرية، والآن الاجتماعية، من أجل تنشيط السياحة الروسية إلى الأردن ومن أجل تطوير التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري والعسكري وهذا كله من أجل تعميق الدعم السياسي للموقف الروسي من القضية الفلسطينية وتعميق التعاون البيني في إيجاد حلول ناجعة لمشاكل المنطقة وبخاصة الملف السوري ومحاولة الاقتراب من فهم أدق للاستراتيجية الروسية في المنطقة ما بعد انتهاء الأزمة السورية.

الانفتاح الدبلوماسي والسياسي غير المشروط هو الدلالة الأكثر وضوحا وتحدده مصلحة الوطن العليا كركيزة معيارية.. فمن هنا يأتي الانغماس الملكي في كل تلك الملفات من أجل مصلحة الأردن العليا، وتوظيف كل الطاقات لتحفيز التنمية الاقتصادية ورفع مستوى الاستثمار ودعم الحكومة ومؤسساتها. وهذا يتطلب انفتاحا دون شروط مسبقة مع الكل الدولي، والكل الإقليمي خاصة.

نعم هناك تحول في معايير القياس الدبلوماسي والسياسي الأردني ينطلق من مصلحة ورفاهية وكرامة الإنسان الأردني، وكل هذا الجهد يصب في محور أصيل وهو التنمية الاقتصادية وإعادة عجلة الاقتصاد الأردني إلى طريق النمو المستدام.

إن العلاقة المتطورة مع روسيا كانت دائما وأبدا تصل إلى توافق في كثير من الملفات الخلافية، وتعاون وتنسيق في القضايا السياسية المشتركة، وموسكو تاريخيا كانت تنظر بعين الاحترام والتقدير للقيادة الهاشمية، وبإعجاب شديد لما طرحه جلالة الملك من مبادرة أنسنة السلوك السياسي للدول بعد التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لأزمة كورونا، ولذلك فإن الزيارة الملكية تحظى بتغطية إعلامية كبيرة في الصحافة الروسية لأهميتها.

تتجه الأنظار اليوم نحو روسيا حيث لقاء جلالته بالرئيس فلاديمير بوتين، لقاء يأتي في وضع إقليمي ودولي معقد، وكثيرة هي الملفات التي تناولها الملك مع القيادة الروسية بما يصب في مصلحة البلدين ويساهم في حلحلة الأزمات الدولية وبخاصة الإقليمية منها في الشرق الأوسط. ونحن على قناعة مطلقة بان الاحترام الذي يحظى به جلالة الملك وحكمته سيجعلها زيارة ناجحة بكل المقاييس..