د.نادية هناوي

(ناقدة عراقية)


إذا سبرنا تاريخ ثقافتنا العربية المعاصرة سنجد اسماءً بعينها ساهمت في تطوير الدرس الثقافي، فمنها ما كان له أثره في تقدّم درس الأدب، ومنها ما كان له باع في تطوير درس الاجتماع، وثالثها كانت له طريقته التي بها تقدّمَ درس النقد خطوات، ورابعها كان قد طوّر دروس التاريخ.

وليس التطوير سوى الإتقان الذي غايته الانتاج لا التكرار، ومن هنا تأتي صعوبة التطوير الذي يحتاج إلى شيء اختصره طه حسين بـ"الثقافة» التي بسببها كان الجاحظ والجرجاني والنقاد العرب الأوائل مطورين غير جامدين.

وإذا عدنا إلى أبعد من التراث النقدي العربي ووقفنا عند التراث الإغريقي سنجد أن تطور درس الفلسفة كان ناتجا عن الاتقان الذي تلهف إليه الفلاسفة وجعلهم متطورين ومطورين، فهذا فايدروس يجيب سقراط الذي سأله: «إلى أين أنت ذاهب؟»، فقال: «سأخرج خارج الأسوار، لأن في السير على الطريق العامة ما ينعش أكثر من المشي في أزقة المدينة».

ولمّا كان التطور في دراسة الأدب ينمُّ عن إتقان، فإنّ الاتقان يعني إعادة تنظيم الأفكار، وهو ما يحتاج إلى التأني والكد اللذين بسببهما قال طه حسين في «خصام ونقد": «أُشهد الله أن الثقافة هي القوة العليا في الأرض، وأن سلطان الثقافة وسلطان الفن ما يزالان وسيظلان فوق كل سلطان».

واليوم، نجد أن المكرور والمجتر هو الطاغي على درسنا الأدبي والنقدي إلى درجة أن التطور فيهما يظل مطلبا عزيزا لا يتحصل إلا نادرا. وصار الغالب على النقاد -وبعضهم من الأكاديميين- الجري وراء النشر السريع الذي صار يسيرا بكثرة المطابع وتزايد دور النشر، ثم جاءت «كورونا» فزادت الطين بلة، وأضحى الاجترار والتكرار يتعديان مستوى المنشورات كتبا ومقالات إلى مستوى منصات الشبكة العنكبوتية وما يجري فيها على قدم ساق من مؤتمرات وندوات ومحاضرات افتراضية وأغلب المندفعين إليها أشبه بحاطبِ ليل يضرب بأقداحه لعله ينال الشهرة والانتشار وبخلوّ وفاض وبلا باع ما دام المكرور قوله والمعاد بحثه مقبولا ومقروءا؛ أُحسنت قراءته أم لم تُحسَن.

وهذه الحال عامة ومؤسفة، وهي في ازدياد ما لم نشخصه ونكشف أبعاده ومدى خطره على مستقبل البحث العلمي عموما والبحث النقدي تحديدا.

ولكي نحسن الظن بالمستقبل متطلعين إلى تطوير درسنا النقدي والأدبي واثقين أن الإتقان سيحصل حتما، فإن الواجب علينا أن ننمذج تصوراتنا بتلك الأسماء التي ما زال لديها ذلك الحس المعهود بالتطوير، فلا تكتب بحثا ولا تؤلف كتابا إلا إن كان ينطوي على جديد نوعي يطور ما هو ثابت ويخرق ما هو تقليدي وبالشكل الذي يرفد المكتبة العربية وقد سدّ ثغرة أو ردم شقا ولو قليلا من شقوق كثيرة سببها ذلك الاستسهال في النشر وتلك النمطية، سواء في الكتابة والإنتاج أو في تحصيل الدرجات العلمية وما نتج عن ذلك من كثرة كاثرة من المنخرطين والمتخرجين في الدراسات العليا الذين صارت أعدادهم المتزايدة كمية لا نوعية وغدت دليلَ نكوص هذه الأمة بدل أن تكون دليل نهوضها في مراتب العلم.

ومن الأسماء النقدية والبحثية المرموقة عربيا وذات الإنجازات المشهود لها على طول العقود المنصرمة، د.عبد الله الغذامي، الناقد والباحث الذي اعتدنا على جدته البحثية حتى صرنا نتمثل به نموذجا من نماذجنا النقدية الأثيرة في ميدان النقد الثقافي وبمختلف أشكال الإتقان، وفيها جمعَ النقد بالاجتماع وداخلَ منهجيات النص ولسانياته بسيميائية الخطاب وعلاماته، وربطَ السرد بالفلسفة والميثولوجيا بالأنثربولوجيا، والتراث بالحداثة، والقديم بالمعاصر. مما صنع لكتاباته خطا خاصا فصارت موشومة بالتطور وموسومة بالجدة وهي تواكب آخر المنهجيات والموضوعات والنظريات الراهنة على ساحة النقد الغربي والأميركي تحديدا.

وعلى الرغم من مضي ما يقرب على العشرين عاما على كتاب الغذامي «النقد الثقافي»، فإننا نجده مطلوبا من لدن القراء والنقاد حتى تكاد طبعاته بسبب نفادها تتكرر في العام الواحد تقريبا. ومؤخرا أعادت دار الشؤون الثقافية ببغداد طباعة كتاب «السردية الحرجة العقلانية أم الشعبوية»، علما أن لهذا الكتاب طبعة صدرت في عام 2019 عن المركز الثقافي العربي بالمغرب، وهو الجهة التي اعتادت طباعة كتب الغذامي ونشرها وتوزيعها.

وهذا كله حسن وممتاز ويستحق الإطراء، بيد أن هناك ظاهرة تنطوي على بعض الإشكالية تظل مصاحبة لهذا النوع من التكريم والإشادة بالأسماء الكبيرة في عالمنا العربي، حتى بات من الضروري والمهم التعريف بهذه الإشكالية غير المعزولة عن الخلل العام الذي نعيشه في واقعنا الثقافي العربي مما نوهنا عنه في مستهل المقالة والمتمثل بالإتقان وعلاقته بالثقافة.

إنّ الأسماء الكبيرة في الوقت الذي تكون فيه محط اهتمام القراء بما قدمته من عطاءات أضافت للثقافة العربية الكثير، فإن القراء من فرط ثقتهم وطبيعة ما اعتادوه من تبجيل الاسم الثقافي تجدهم يصنّمون فكره محيطين إياه بهالة من التقديس، غير متعلمين من المناهج والسياقات التي اتبعها ولا مفيدين مما لديه من طروحات ولا معولين على ما في سيرته من محطات وخبرات تعينهم على تجاوز حاضرهم ورسم صورة مقربة لمستقبلهم.

والمحصلة أن التصنيم الفكري يظل مصاحبا لذلك الاسم وكتبه، وبسبب هذا التبجيل وذلك التقديس تجد القراء ينسون أسماء معرفية مماثلة، وربما بسبب ما نالها من النسيان والمحو المقصودين أو غير المقصودين، ضاع إنجازها، أو أن ظروف النشر والتوزيع لم تكن متاحة لها آنذاك لنشر فكرها وما فيه من فرادة العطاء. الأمر الذي يستوجب من القراء والمعنيين توجيه اهتمامهم إليها معيدين لها ألقها ومعلين اسمها بما يتناسب مع قيمتها.

ومن الأسماء التي طالها التصنيم: علي الوردي، وطه حسين، وعبد الله الغذامي. أما الأسماء التي تنوسيت وضاع ما لها من فضل على الثقافة العربية فمن أبرزها: جواد علي، وعبد الفتاح إبراهيم، وعبد الفتاح كيليطو، ومحمد بنيس، وعلي الشوك، ومحسن مهدي، ومهدي عامل.

ولعل المفارقة هنا أن الغذامي، الناقد والمفكر الثقافي، قد صار بسبب التصنيم مركزا (متروبولا) وحده وقد تبجل فكره ثقافيا، فاستغلقت عنده الأذهان، سائرة على هدي كشوفاته بلا تطور ولا إتقان وهو الذي رفض التنميط والتصنيم ولطالما وقف في صف الهامش، خصوصا المرأة، ودعا إلى تهشيم فكرة «التابو» ورفض تعالي المراكز، واجدا في اللاعقلانية خيرا إن هي وازنت العقل وأبعدته عن الخوف والشطح والمروق والتحجر.

وما كان للغذامي على طول مسيرته البحثية والنقدية أن يُصنِّم أي فكر ولا أن يُبِّجل أي معرفة، بل كان دائم الحنق على المصِّنمين عائذا منهم بما وفرته له مواكبته للنقد الغربي من منهجيات وطروحات فيها كثير من المفاهيم القالبة والاصطلاحات المغيّرة والمغايرة التي أكسبت كتاباته الجدة، متمكنا من تطبيقها على ظواهر مجتمعاتنا العربية، وإن لم يجد ما يطبق به عربيا، فإنه يكتفي بما طُبق على المجتمعات الغربية.

وهو على الرغم من تخصصه في النقد الثقافي ومراهنته على المضمر النسقي والاختلاف والتضاد، فإنه لم يكرر نفسه في أيّ من كتبه، وبقي دائم التنوع، وربما تجاوز تطبيق المفاهيم إلى اجتراح المسميات، عاملا أحيانا كثيرة على توطين تلك المسميات لتكون بمثابة مفاهيم خاصة به، وفيها بالطبع إضافة نوعية الى نقدنا العربي المعاصر. وكان من حصيلة التنوع الثقافي في كتابات الغذامي أن صارت كتبه مراجع في مجال النقد الثقافي، يفيد منها دارسو هذا النقد. والغريب أن الكثير ممن يظنون أنفسهم نقادا ثقافيين ليسوا كذلك، لا لأنهم يبجِّلون الغذامي ولا يأتون بشيء جديد عما أتى به، بل لأنهم أيضا لا يفقهون حقيقة هذا النقد، معتقدين أنه فرصة لمن خانته قدراته النقدية المتواضعة أو أعاقته إمكانياته وذائقته عن الإيفاء بمتطلبات المنهجيات النقدية النصية وما بعد النصية التي يجدونها عويصة فيهربوا منها إلى النقد الثقافي مشرقين في المفاهيم ومغربين في التحاليل.

ومعلوم أن ليس لكتابةٍ ما أن تكون نقدا ثقافيا وصاحبُها يبجّل مرجعه الغذامي ويصنِّمه، فلا هو يفقه معنى أن يتحرر من المركزيات الثقافية، ولا هو يعرف ضرورة أن يبحث في متغايراتها الكلية المهمشة أو المنقرضة، ولا هو وضع في حسبانه أن يكون الإتقان بغيته وأن يكون التمكن والاجتهاد والجدة عنوانه.

وبسبب هذا الاستسهال في فهم النقد الثقافي والبساطة في إدراك شائكيته وخطورته، صرنا نجد كثيرا من الكتابات ممهورة بأنها دراسة نقد ثقافية، حتى إذا قرأناها لم نجد سوى الغذامي مركزا متعاليا فيها، فما من مضمر مكشوف ولا من مسكوت عنه معلن، وإنما هو اجترار وتكرار تماما كما هي الحال في النقد الأدبي، وبسببهما وغيرهما مُنيت ثقافتنا الراهنة باليباس والبرود فعافها القراء.

وإن كان حقيقا بأيّ نقد ثقافي أن يبهر قراءه بكشوفاته ويجعلهم مستمتعين بقراءته، فذلك لأن الناقد خارق كل الثوابت والمركزيات، ويبحث عن المخبأ فيكشفه كما فعل ويفعل الغذامي وكما فعل قبله طه حسين وعلي الوردي ومحمد مندور وكيليطو وغيرهم. وهذا أمر ليس باليسير فعله، ولذلك يظل المعروفون بأنهم نقاد ثقافيون معدودين، وعادة ما تكون كتبهم محط متابعة القراء يتلهفون لاقتنائها تطلعا إلى الجديد ورغبة في الإفادة مما فيها من باع معرفي وبحثا عن كل ما يصب في باب المثاقفة والتثاقف.

وإذا كان صدور كتاب «السردية الحرجة العقلانية أم الشعبوية» عام 2019، فإن إعادة طبعه عام 2021 دليل على هذا التلهف القرائي.

وتدلل فصول الكتاب الخمسة على أنها مقالات متفرقة في موضوعات فكرية وثقافية، كالعقل والعقلانية والذكاء الاصطناعي والهوية والمدينة والخوف والزمن والشعبوية التي هي موضوع الفصل الرابع، وفيها ناقش الغذامي أطروحة «جوناثان هايت» في كتابه «العقل المستقيم» (2012)، وفيه بحث «هايت» إشكالية انقسام الناس بين محافظين وليبراليين منحازا بعض الشيء إلى الليبراليين بسبب تحررهم ولاعقلانيتهم التي من نمطياتها أن صارت الشعبوية مثالا للمحظوظين وخلقت زعاماتها مؤمنة بالتفوق الفئوي لتكون هي السردية الحرجة التي طبقها الغذامي على الشعبوية العربية كطائفة واحزاب وعصبة وعادات. وجاء الفصل الخامس بعيدا عما تقدم، متناولا الزمن كعلامة ثقافية هي كلمة أو عصا أو خطبة أو ترجمة أو كتاب أو جريدة او تلفاز أو مذياع أو واسطة من وسائط التواصل الاجتماعي التي تنبأ المؤلف لها بغلبتها الكتابَ الورقي والسلطةَ الرابعة في صناعة الرأي العام، لكن من الممكن أيضا أن تمارس السلطة الرابعة دورها افتراضيا من دون الورق، وربما تكون أشد وقعا وخطرا بسبب سرعة وصول الإنترنت الى كل مكان.