عِذاب الركابيّ

(كاتب عراقي)


(إلى الشاعر الراحل أمجد محمّد سعيد)

"كانَ علينا

في حوارنا مع الحياة،

أنْ نجلسَ على حافةِ الموت»

(أدونيس)

***

لماذا الشعر؟ لماذا الحياة؟ لماذا الموت؟

وماذا تكسبُ أشباحُ الوقت الخؤون حين تُطلق، بكلّ هذا العناد والحقد، على الشعراء سفراء الحُلمِ الإنسانيّ كُلَّ أفاعي الغياب وذئابه؟!

آهٍ يا أبا الأمجد.. أيّها الطاعنُ في المحبة.. الداخلُ في التجربةِ.. لماذا كلّ هذا الكمّ من صواعق الموت على ممالكنا المخملية.. وكُلّ هذا الشُّح في نسمات الربيع في الحياة؟!

آهٍ.. لوْ يموتُ الموت!

ستجدُ الحياة نفسها في حياةٍ وافرةٍ، بذخٍ في الولادة، وفي الحُبّ، وفي الفرح!

والحزن -لحظتها- يتنصلُ عن اسمهِ الحركيّ، معترفاً بعبثية ورتابة بكائياتهِ المكرورة، ويحرق دفاتر ذكرياته الجنائزية، وأثوابه المقيتة التي عافها عصرها وتقأيت ألوانها النفوس!

"وحدهمُ الشعراءُ

حينَ تفاجئهم أمطارُ الغيابِ

يظلون في ذاكرةِ الوقتِ

أطفالاً ملائكيين!».

أيُّها العاشق السومريُّ لماذا استعجلتَ الغياب؟ ماذا لوْ انتظرتَ قليلاً حتى نُكملَ القصيدة التي خذلتنا قوافيها العسيرة وهي تتمرّد وتعبث أوزانها بتفعيلات الفراهيدي ومَن جاءَ بعده من النساك في هندسة القوافي والأوزان والعروض؟!

ماذا لوْ انتظرتَ قليلاً حتى نجدَ الطريقَ الآمنَة والمضيئة إلى الوطن الذي أخطأ في أبجدية أسمائنا، وحينَ عُدنا إليه في الحُلمِ، لمْ نعثر على عنوانٍ أكيد!

"الوقتُ ليسَ الوقت!

الوطنُ ليسَ الوطن!».

ليسَ هو الوطن الذي كبرنا على عطرِ نسماتهِ، وشبعنا احتراقاً وعذاباً وموتاً وغربة كيْ يكونَ سعيداً، يتسع لأحلام أهلنا الطيبين البسطاء.. ليس هذا هو الوطن الذي سقى بالدمعِ الحجريّ ورود طفولتنا، وأرّخ لقصصِ عشقنا، وذاكرتهُ ضاجّة بتفاصيل ذكرياتنا وأحزان أمهاتنا الطيبات!

هذا وطنُ الغياب، والضياع، والانتظار، والميليشيات من كلّ جنسٍ وهويةٍ، فتاوى عقائد ومذاهب بلا كتاب ولا نبي ولا إله.. والذين يصلّون، ومحرابهم بلا سقف، نسوا شروط الوضوء، وضيعوا اتجاه القِبلة!

الوطنُ-الحُلم الذي يسكننا في ذمةِ الغياب!

ولا علاقة لنا بوطن الظمأ والجوع والخراب غير الضروريّ!

"بلا عداءٍ سابقٍ

معَ الوقتِ

يُطفيءُ نورَ ضحكتنا،

فنجدَ أنفسنا في شارعِ الظلامِ

وحيدين!».

قُلْ لي: كمْ مرةً وقفتَ ببابِ مملكة الكلمات، شعراً موجعاً ونثراً راقياً، طالباً المغفرة من ذنوب الخيالِ العظيمة؟! تماماً بقدر ذهابك، طوال الأربعين عاماً، وكلّ ليلةٍ، إلى الوطن على صهوة الحُلم، متمثلاً رحلة إسراء ومعراجٍ من نوعٍ آخرَ، وتعود مضطرب الخطى، عليل الروح، لخطأٍ في العنوان.. كنت شاعراً وعاشقاً من طرازٍ رفيع، سارق النار الأمثل، لا لتأخذ قبس موسى فحسب، بلْ لتجدّدَ الحياة وتجمّلها في عيون المخمورين بنبيذ قوافيك ضدّ نفاق الوقت، وانتهازية الحياة أحياناً، لا لتقرّبّ الوطن من قلوبهم، بل تقترح خريطة وطنٍ آخر، الوطن-الحُلم، حيث طرب الروح، ونشوة الجسد، وبستان الفرح، خارج الزمن والتاريخ والمكان!

"بلا شرطٍ

نوهبُ الزمنَ الخؤون

قصص العشق، والكتب، والقصائد،

ويُورثنا الغيابَ

مُرغمين!».

قُلْ لي.. كمْ مرةً خانكَ الوقت، وكان يقينكَ، بل رهانك الأبديّ القوافي والكلمات والأخيلة، وحدها لحظة الانتصار عليه، وهزيمته!؟

آهٍ.. أيُّها السومريّ الطاعنُ في الحُلمِ والمحبة!

تُرى ماذا أعطاكَ الشعرَ حتى تمنحهُ كلّ ذهب سنين العمر؟

وكمْ مرةً أيقظتكَ القصيدة ليلاً، تؤمّلك بالحياة المخملية.. وقد فاتكَ كثيراً، بدفءِ قلبٍ، ونقاء سريرة، أنَّ مؤامرات الموت تحتَ وسادتك القلقة.. في تلك الغرفة الفارهة في الشارع المغرم بالضوء والصمت، في القاهرة أيقونة مدن الحبّ والوفاء والإبداع وهي تحرسُ نومَكَ المخمليّ وترتّب لك الكلمات في ديوانك الأخير!

"هذي صحف الصباح العربية

تؤجّلُ شغبَ حروفها اليوميّ

حتى تبرقَ أصابعُكَ

بالكلامِ المثير!».

قُلْ لي: متى دعاكَ الوطنُ، أو أعاد لدفاتر ذاكرتهِ اسمك الليلكيّ، وقرّر في منهج ِ مدرسة الحياة أشعارك، حتى تعودَ إلى ربوعهِ جثةً، ظلالها صواعق حزنٍ وبكاء؟!

"أيُّها الشاعرُ الناسكُ

نمْ هادئاً..

فهذه التظاهرة السلمية

للأوراق والحروف

تحكي دهشة غيابك!

والآن! يحقُّ لكَ،

أن تُرخي رأسكَ المثقلَ

على كتفِ المجد!».