منذ أمر النبي (ص) المسلمين بالهجرة الى يثرب كان قد اتخذ قراراً في البدء بتأسيس الدولة الإسلامية في بيئة حاضنة قادرة على رفع راية الإسلام ونشر مبادئه السلمية السمحة؛ سمتها التعدد، مدنية الطابع تحوي كل الآراء وتستوعب الكل الإنساني ولذلك تحول اسمها من يثرب الى المدينة المنورة لأنها تضم تعددا دينيا طائفيا وعرقيا فقد عاش في المدينة المسيحيون واليهود والمسلمون والاوس والخزرج والعجم والاحباش.. هذا التعدد منسجم ويعيش بتوافق وقد بايعت المدينة من خلال بنيتها التعددية رسول الله (ص) باستثناء آل الفتنة بني إسرائيل ممثلين في يهود بني قريظة بني قينقاع وبني النضير . فقام رسول الله (ص) بتوقيع معاهدة المدينة مع اليهود والتي تَضمن لهم الحريَّة الدينيَّة في المدينة، والأمان على أموالهم، ونظّم من خلال هذه المعاهدة، الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والعسكرية لسكان المدينة من اليهود والمسلمين والمشركين..

فمن الناحية الاجتماعية وفّر لهم الأمان، ومنع الاعتداء عليهم، ومن الناحية الدينية أقر حريّة الدين والمُعتقد، وأقرّ حقوق الجوار، أمّا في الجانب العسكري فأهل المدينةِ جميعاً صفٌّ واحدٌ في وجه المعتدي عليهم من خارج المدينة لحماية أنفسهم وأعراضهم وبلادهم لكنَّهم في غزوة بدر وقفوا مع كفَّار قريشٍ ضِدَّ المسلمين وبقية القصة معروفة قال تعالى عن تجمعهم في خيبر ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) الحشر2 صدق الله العظيم

هذه المقدمة التاريخية تبين ان بني إسرائيل وتجليهم المعاصر في دولة الاحتلال الصهيونية لا يؤمنون بالتعددية لذلك يكمن هدفهم الاستراتيجي في تهويد كل فلسطين وخاصة مدينة القدس المباركة.

ومن هنا أيضا تأتي الممارسات المستدامة في سياسة الفصل العنصري والشيفونية والتعصب الديني وعدم قدرتهم على التعايش مع الآخر الا من منطلق المكتسبات والمصلحة الخاصة دون أي مبادئ او سلوك انساني وهذا متجذر في منطلقاتهم العقدية والأيديولوجية والفكرية.

من هنا حاربهم وطردهم رسول الله (ص).. وما زال هذا الصراع الى يومنا هذا من خلال المقاومة الشرسة الذي يقاوم بها الشعب الفلسطيني سياسة الاحلال السكاني والحفاظ على عروبة وإسلامية القدس وكل محاولات التطهير العرقي والتهويد فمنذ انتهاء معركة سيف القدس حتى الان قدم الشعب الفلسطيني في مدن الضفة ما يزيد عن مئة شهيد وعشرات الجرحى في القدس والشيخ جراح وسلوان ونابلس وفي عموم مناطق الاشتباك وضد الهجمة الأخيرة نحو توسيع الاستيطان لاجهاض المكتسبات التي رسختها المواجهة الأخيرة

انني من هذا المنبر اناشد الدبلوماسية الأردنية الاستمرار في دورها الدولي بالتركيز على محورية فلسطين وترجمة ذلك يستوجب ادانة اقتحام الوفد الأميركي للمسجد الأقصى تحت حراسة مشددة من جنود الكيان الصهيوني حتى نبعث برسالة واضحة ان القدس كانت ومازالت وستبقى خطاً أحمر غليظاً.