ربا الناصر

(كاتبة أردنية)


جلَست خلف الفرن في المطبخ تطهو الأرز، تصوب نظرها تجاهي أنا وإخوتي الخمسة ونحن نلعب في الساحة الخارجية للبيت، راسمةً ابتسامة يزداد وسعها كلما رأتنا نركض وسط علو ضحكاتنا التي هزت الأشجار المحيطة بنا.

بعد لحظات تحلقنا حول جدتي، نتناول وجبة الغداء التي وزعتها علينا بيديها الرشيقتين متأملين التجاعيد التي غزت وجهها، فوراء كل تجعيدة تفصيلة حياة غرست أثرها على وجهها الأسمر.

في عيد ميلادي الخامس عشر عادت جدتي بشكل دائم إلى الأردن وقررت السكن معنا في بيتنا الواقع في الأغوار، ما زلت أذكر آخر مكالمة عندما أخبرتنا بقرار عودتها، فمكانة جدتي في قلبي لا أستطيع وصفها، هي كل حياتي. فبعد أن شخّص أحد الأطباء إصابتها بمرض القلب انتهت مسيرة عمل امتدت ثلاثين سنة قضتها جدتي في بلدان عربية كثيرة آخرها السعودية؛ حيث قضت أكثر من عشر سنوات فيهاـ تمتهن الخياطة حتى ضعف بصرها ووهن جسدها، فعادت إلينا محملة بثقل سنين أضنت روحها همًّا، محاولة نسيان قسوة الغربة بالعيش وسطنا، فبفضل معونتها الشهرية استطعنا بناء هذا البيت، فعمل والدي في الزراعة لم يجنِ سوى بعض النقود التي لا تكاد تكفي إطعامنا لثلاثة أيام!

في يوم الرجوع، انتظرتُ جدتي عدة ساعات في صالة انتظار المطار، ممسكا باقة من الورد قطفته بعناية من حديقة المنزل، وبعد لحظات وجدتها مقبلة علي من بعيد بابتسامتها نفسها التي تنهي بها مكالماتي معها عبر "سكايب"، احتضنتني بحرارة، وقبّلت وجنتي، مشت وهي تحيطني بذراعها حتى وصلنا أمام سيارة الأجرة التي كانت في انتظارنا ثم اتجهنا نحو البيت.

طيلة الطريق لم تكفّ عن الحديث عن طرائف الأمور التي واجهتها في الغربة وعن الهدايا التي جلبتها لنا في إحدى حقائبها. وصلنا أخيرًا وسط تجمهر أهلي وبعض الأصدقاء وقد علت البهجة سماء قريتنا في تلك الليلة.

في المساء ساعدتُها في إيصال حقائبها إلى غرفتها، وطلبت مني مساعدتها في إفراغ محتوى الحقائب التي تنوعت ما بين هدايا تذكارية وملابس وبعض الأحذية وقد ظهر على بعضها بعض الاهتراء، بدا أنها تبرعات من إحدى السيدات اللاتي كن على اتصال بجدتي، فلم أخجل من القميص الأسود ذي البقع الباهتة عندما قدمته لي كهدية، لم أكترث لكل هذا، المهم أنها عادت.

في كل ليلة قبل أن أنام، أمر على غرفتها، أستمع إلى حكاياتها التي تخصُّني وحدي بسماعها ثم أقبّل جبينها قبل مغادرتي الغرفة. وفي إحدى المرات وبينما كنت أودّ الخروج من غرفتها تملّكني الفضول لأفتح صندوقها الخشبي وأتفحص ما يحتوي، وبعد سماحها لي بفتحه، وجدت بعض المقتنيات: عباءات قديمة، أقمشة، زجاجة عطر، مشط شعر... إلا أن ما لفت انتباهي قماشة بيضاء فيها بعض الاصفرار، ما أثار تساؤلي عن سبب احتفاظ جدتي بهذه القماشة.

تنهدت قليلا قبل أن تتحدث، كأنها استرجعت ذكريات من زمن بعيد، أخبرتني أن صاحب مصنع الملابس الذي عملت فيه في الأردن، أراد افتتاح فرع آخر له في إحدى الدول العربية المجاورة لنا، وبسبب وضعنا المادي السيئ، لم تتردد في الذهاب مقابل اعتناء والدي بما تبقى صالحا من أرضنا الزراعية، "لقد ذهبتُ من أجل تحسين معيشتكم، فقد أردت أن يحصل الأحفاد على فرصة تعليم يتميزون بها عنا، فأنا لم أحصل على قدر جيد من التعليم، أكاد بصعوبة أقرأ اسمي وأكتبه.. لذا كانت فرص العمل محدودة أمامي"، صمتت قليلا ثم واصلت: "في الليلة الأولى بعد وصولي إلى المصنع الجديد، قامت المشرفة بإعطاء كل واحدة منا قماشة بيضاء نفترشها على الأرض وننام عليها فلم تكن الأسرّة متوفرة لدينا، كانت ليلة قاسية فلم أعتد النوم مباشرة على الأرض ولم أعتد النوم بعيدا عن المنزل، لكن لم يكن هناك بديل عن ذلك فلم أكن أملك النقود الكافية لاستئجار غرفة، لذا اتخذت من مساحة صغيرة بالقرب من النافذة مكانا آوي إليه، وما إن لامس خدي نسيج القماشة الكتاني حتى أقسمت أن أحول هذه القماشة إلى فرش ناعم وأن أحقق حياة كريمة لي ولكم".

وتابعت بقولها: "كم شهدت هذه القماشة على دموع القهر من سوء معاملة بعض المشرفين أحيانا وقلة الحيلة عندما أقف مكتوفة الأيدي أمام طلباتكم أحيانا أخرى، وكم شهدتْ على أحلام أنسجها في خيالي سحبا سرعان ما تتبدد مع شمس النهار. طيلة سنوات الغربة لم أكفّ عن افتراش هذه القماشة، فهي الشاهد على رحلة الكفاح والمحفّز على المضيّ بها، حتى عندما عدت لم أتخلص منها ووضعتها ضمن مقتنياتي في هذا الصندوق لتبقى ذكريات محفورة".

أمضيت الليلة بأكملها أنصت لحديثها حتى أثقل النعاس جفنيها، فطبعتُ قبلة على جبينها وهمست في أذنها: "لن أخذلك أبدا، شكرا جدتي"، ثم أغلقت الباب خلفي.

مضت شهور قبل أن يشتد المرض على جدتي، فلم يعد قلبها يتحمل أدنى مجهود، ولم تكفِ النقود خاصتها في علاجها فأبت أن يُصرف الباقي منها في العلاج وطلبت أن يُصرف في تعليمنا قدر المستطاع، ولم يتبقّ لها مال حتى لشراء كفنها، أذكر يوم وفاتها أنني بحثت عن شيء لأغطيها ريثما يتم نقلها إلى مغسل المستشفى فلم أجد سوى قماشتها المصفرة، فلففتها بها حتى وصلت المستشفى وهناك تبرع أحدهم بكفن لجدتي، فعدنا بقماشتها دونها!

بقيت على العهد فاجتهدت في تحصيل أعلى العلامات في المدرسة رغم ضعف الإمكانيات، حيث أهلني مجموعي في الثانوية العامة أن أدرس في الجامعة الأردنية هذا بجانب عملي المساند - لتحصيل مصروفي اليومي- الذي امتد أيضا خلال سنوات التخصص.

في يوم إعلان نتائج التخصص، تمنيت وجود جدتي معنا، فلطالما تاقت إلى هذه اللحظة، شعرت بطيفها في المكان وكأنها بيننا. أهدتني والدتي يومها معطفا أبيض به بعض الاصفرار، فقد حيك من قماش قديم ولم يكن سوى قماشة جدتي المصفرة التي ما زلت أحتفظ بها، فمن هذه القماشة صنع رجل طموح يشق طريقه نحو النجاح، ارتديت المعطف وعلقت عليه بكل فخر وامتنان لتضحية جدتي شارة مكتوب عليها: "الدكتور أحمد، أخصائي أمراض قلب".