د.سهى نعجة

(ناقدة وأكاديمية أردنية)


في روايتها "شقائق النعمان"، امتشقت الكاتبة الأردنية هيا صالح رؤيتها من جرح نازف راعف طغا كفرعون على منطقة عربية، كان الأمان نِشدةَ عائلاتها، والسكينة دينَها وَدَيْدَنها، لكن العدوّ المنسلخ من ملّته الدينية والعروبية بآليّاته الفضائيّة الحربية الدفّاقة والقنابل الفتاكة، وشاكلتهم من الغربان البشرية في الأرض استَشْرتْ فسادا، فكان الفتيةُ رهانها، تُغير على عقولهم بالأفكار المشظّاة عن أولي الأمر، وتحرّضهم على طحن وجودهم عبر نشر ما تدّعي صحته لآلهم ولذويهم الأقربين فالأبعدين، لتقيم منهم دروعا بشرية تنشر الرذيلة في الأرض، وتشكك في الموروث والمتداول وتقيم الحدّ على من يقول لهم: (لا) حين يتوقعون (نعم) أو العكس.

يحدث هذا، بينما أولئك الغربان يستمرئون المنكر وارتكاب المعاصي، وينْتَشون بحبوب بيضاء هي بعض أشكال الحبوب المخدرة ليجدوا فيها نشواهم وحلواهم ورجواهم، متلذّذين بخطف الأطفال والصبية بخاصة، وبجلدهم وبتعذيبهم بحجة فسقهم وخروجهم عن طاعة أولي الأمر.

نعم، هؤلاء هم القنابل الموقوتة في عالمنا الحديث إبان فترة "الربيع العربي"، الذين تسوّدوا بالفتوّة، ووَعوا الدنيا بلا فكر؛ لأنهم تلقّوا العلم من وحي إرثهم العشوائي وأفكارهم الشائهة، فشرعوا يزرعون المناطق المستهدفة حقولَ ألغام، تميت من علقَ بها أو تشوهه ليغدو مهزوما نفسيا يستضيء بموتٍ مقبل على أن يكون عنصرا بشريا هو رقم محض، يثير الشفقة، إذ لا حول له ولا قوة، وأخذوا يفرضون هيمنتهم على المشهد الإنساني، وليس يسع المرء استكناه ساعة الصفر لديهم ومآلاتها.

من هذه الرؤية، بل من هذا الواقع، نهدت الكاتبة هيا صالح، ترسم معالم روايتها "شقائق النعمان" لتكون رواية تجمع بين التوعية الدينية والعروبية الجادة والأنساق النصية الجمالية التي لا تبعد النص عن جنسه الأدبيّ عبر ثيمات السرد والصورة، والحرص على الرفد اللغويّ لمتعاطي هذا الجنس الأدبي.

"شقائق النعمان" الصادرة عن دار الياسمين (2020) والفائزة بجائزة اتصالات لكتاب العام لليافعين في العام نفسه، رواية تتكامل فيها عناصر الكتابة الإبداعية فكرة ومعمارا لغويا ينهض بالرواية لتضحي جديرة بالاقتناء في كل بيت، بل جديرة بأن ترعاها وزارة التربية والتعليم لما فيها من كثافة رؤيوية تقي بنينا في أول طلّتهم احتواء الحياة الجدلة من غير سقوط في الحفر، وانحراف عن سبل اليقين المعرفيّ.

تبدأ الحكاية في الرواية من مغادرة قسريّة للوطن إلى منطقة تدعى "رقّون"، إذ تلتمس فيها أمُّ عمر وسفيان (الابنان بطلا القصة المركزيّان) غرفة تستأجرها من الخالة "ساجدة"، رفقة "ثريا" أختهما ذات الأعوام الستة، أما الأب، فاستُشهد بعد نضال مباغت ليلا، تاركا متابعة مشوار الحياة للأم وبالأخصّ الأخ الأكبر "عمر" الذي يبلغ خمسة عشر عاما، و"سفيان" ابن الاثني عشر عاما.

كان عمر شابا يافعا مسالما دافئا، قليل المعرفة بالحياة ومنعطفاتها ومزالقها، أما سفيان فكان رجلا صغيرا، حذقا ببعض مسلكيات التعاطي مع الحياة التي تنام على حال وتصحو على أحوال، وكان يتضجر دوما من استصغاره ومن التعامل معه بوصفه طفلا وهو الذي تعلّم فنون القتال بالبندقية من والده فكان لا يخطئ هدفا، ومع هذا فلا شك أنه أرعن، لشدّ ما يدري ولا يدري أنه لا يدري، مما جعله طعما سهلا للقنابل البشرية الموقوتة التي تستغل حاجة اليفعة إلى أمر ما، ولا سيما إذا كان ماديا.

في هذه الهجرة القسرية الني نبا فيها المال عن بيت أمّ عمر لتحصيل علاج لداء السكري المؤذن بفشل كلوي، تعرّف عمر وسفيان أصدقاءَ كثيرين، أبرزهم "سلمى" التي كانت من الفتيات الناهضات بالعزيمة، وبمساعدة "آل عمر" بخاصة لأرب في نفسها، ولا سيما أنها كانت من عائلة ميسورة لم تؤثر فيها تداعيات الحرب، عدا ما مازها من الأدب، والرقّة، وحسن الجوار.

عمر، بوصفه الأخ الأكبر، كان عليه تحمل أعباء البيت من المؤن وتكلفة علاج الأم المريضة بالسكري، لكنه كان خالي الوفاض، فلا مال، ولا مؤن تفيض به هيئة الإغاثة الدولية، لكن سفيان تصرف بمبلغ استدانَهُ من سلمى التي كانت تريد التقرب بأي شكل من عمر. فهي ذات يد: أبوها رجل أعمال، يبيت على قدر من المال الذي يسمح له غوث المحتاج. لكن سفيان الذي طفق في الشوارع يفكر بمآل لذي الحال التي يصبحون على بأس ويمسون على بأس أشد منه سقط في فخ عصبة تكفيرية جاءت بهيئة رجلين يبدوان طيّبين في سيارة جيب فأخذاه، وأعطياه ما يلزمه من مال لعلاج أمّه، ثمّ عاد في وقت متأخّر بعد أن نهضت البلدة تبحث عنه، فتبيّن أنه ذهب إلى بيته المنهدم جزئيّا في "رقّون" لإحضار حصالته لعلاج أمه، وفور عودته قدم الأموال لعمر، لكنها كانت أزيد مما يُتوقع، فشكك عمر في مصدرها، ولا سيما أنه رآه يركب سيارة جيب كبيرة بيضاء كتلك التي يسمع عنها، لكنه وأمه ما انفكّا يعظانه، فكان الوعظ كلاما في الهواء، وما كان لعُمَر إلا استثمار المال في جلب الدواء لأمّه.

سفيان، الموّار الممهور بالمغامرة وبالصيد وبالقنص بخاصة، وهي العلامات التي دفعت جماعة الإرهاب المبطَّن للتفكير بضمّه، صار عضوا في الجماعة، ثم أحضر "راكان" و"ريّان" وغيرهما للانضمام للجماعة في ضوء سبر نفوسهم ومعرفة احتياجاتهم المادية، فأغروهم بالمال والعصير والشيبس والملابس. وكان ما أرادوا: صاروا أذنابا لهم، وصاروا يلتقونهم على فترات متقطعة ثم يومية، إلى أن أُجبر الصبية على ترك ذويهم والعيش مع أفراد الجماعة في مناطق بعيدة عصيّة المداخل والمخارج، من هنا بدأت الجماعات المسلحة المريضة تفرض سطوتها عبر تسريب معلومات مغلوطة عن الجهاد والحجاب بخاصة، ثم لاذوا بإجبار الصبية على ترك منازلهم أياما، ليجدوا طوابير من أطفال هم أقل منهم عُمراً، يعملون على وفق: كلٌّ ميسّر لما أرادوا له. وبمرافقتهم "صقور الحقّ" أياما بدؤوا يتعلمون القنص والضرب والتعذيب والقتل، وفي أثناء هذه المدة شدّ "سفيان" وثاق ثقتهم به عنصرَ قنص منفرد متفرد ببراعته، فغدا واجهتهم الدفاعية تارة، والهجومية في الهجمات المرتجلة والمدروسة، لكن فطنته وتفكره في مسالكهم التي تصدر عنهم جعلاه يدرك "سفيان" أنه ومن معه من صبية ليسوا سوى دروع واقية ساترة لهرب هذه الجماعة، فشرع وبعض الرفاق يفكرون في طريق يسلكونها للهرب، ونجحوا عبر خرائط كانت بحوزة الصبي "حمزة"، وعادوا إلى بيوتهم في شوق جمّ، وأسف أليم.

إن هذا المشهد المكثّف جدا للعمليات التخريبية، والسيول الدموية، وانتهاك الحرمات، وروائح الدم التي تنبعث من الجثث المنعوفة في كل مكان، وآلية إيقاع الفتية في شَرَكهم، مهاد تربويّ مهم يقع على عاتق أولي الأمر في الدولة ابتداء من قيادتها، مرورا بالأهل وبخطباء المساجد، وبإدارة المدرسة وبكادرها ولا سيما معلمي التربية الإسلامية واللغة العربية والتاريخ، والمرشد التربوي، بل في كل مدرّس يحرص في تدريسه على ربط المشهد التعليمي بالحياة، وبربط الطلبة بما يجري في الواقع المعيش فيه، كما نعوّل على البرامج التوعوية اليومية، لا التي تبث ذات حدث، وتنتهي بانتهائه، وإنما التي تظل تُطلّ بوصايا راشدات في وسائل الإعلام المسموعة والمنتشرة في الشوارع على ساق عمود، أو ذراع جسر، فيبصرها القلب قبل العين.

لقد نهدت هيا صالح بترويةِ فكرتها التي تدور حولها مفاتيح السرد وثيماته بالروابط اللغويّة، التوازي، والترجيع، والانسجام الدالي والمدلولي، وإغناء الأنساق اللغويّة بما يحقّق الاتّساق والتماسك النّصي عبر أقانيم أسلوبيّة مدروسة تتغيّاها الأسس التي تبنى عليها صنعة الكتابة، فانتظمت في ما يأتي:

1. توزيع الرواية على فصول خمسة تشكل ضميمة دائريّة ترمز إلى شبكة العلاقات المتزنة بين أفراد العائلة أنّى تخللها من اختلافات بين أفراد العائلة الواحدة، فقد جاء الفصل الأول بعنوان "عمر"، والثاني بعنوان "سفيان"، والثالث بعنوان "عمر"، والرابع بعنوان "سفيان"، والخامس بعنوان "عمر"، وهذه الفصول التي تبدأ بـ"عمر" وتنتهي بـ"عمر" إن هي إلا انعكاس جوهريّ لمضمون الرواية الذي انتهى بأن "عمر" وإن بدا رقيقا رفيقا شفوقا، فإنه ممن يفكّرون على مهل، وأنّ ما يصدر عنه من آراء ومواقف وانفعالات إن هو إلا نسق فطريّ مدروس لهذه الشخصية، وأن النهاية الشجاعة تكون للشخصيات غير المنفعلة التي لا تحاول أن تكبر قبل أوانها، كما كان حال "سفيان" الذي تبصّر الحقّ في كلام أمّه وأخيه عمر لاحقا.

2. ولئن كان حضور الأم في الرواية محدودا، لكنه لم يكن هامشيا، ذلك أن فكرة المركز والهامش ليست بالكمّ بل بالنوع، والأم كانت باعث صحوة في ابنيها عندما تحدثت عن أفعال الجماعات الإرهابيّة، وعندما كانت تطلّ بين حين وحين تقصّ شيئا من سيرة أبيهما، وفي محاولتها تهدئة الشرارة القابلة للاشتعال دوما بين "عمر" و"سفيان".

3. واللافت ههنا وعي الأديبة الأبعاد النفسيّة من لدن المتلقّي لشخصيّاتها المحرّكة لأحداث القصة (عمر وسفيان)، فحرصت بعد العنوانين: الفصل الأول، والفصل الثاني أن تضع ما يأتي: الاسم، والعمر، ومكان الإقامة، ثم تعضد هذه المعلومات برسم كاريكاتوري إلى حدّ ما لكلّ شخصيّة تناسب سلوكه في الرواية، فــ"عمر" جاد، منحني الكتفين، يرتدي نظارة، وشعره مصفوف بما يوحي أنه من جيل قديم، إذ لا يتناسب ألبتة ومعطيات عصره، ويرتدي قميصا تقليديا ذا أزرار عمودية لا يناسب عمره، عدا تقاسيم وجهه المتهدلة نوعا ما. أما "سفيان"، فشعره ذو قَصة حديثة، نضر البشرة، في وقفته ثقة، ولباسه يناسب عصره وعمره، وهو رداء نصف كمّ كما يحبّ الصبية أن يرتدوا، لكنها لم تنكر دور الأم التوجيهي، وكذلك الأب عبر تقنية الترجيع التي كانت تلهمهم السلوان كلما راحوا بذاكراهم نحو هدأة "رقّون".

4. عتبات فرعيّة تشكّل البؤرة المفصليّة للنص الروائي كلّه، على غرار: "كوابيس ثريّا"، و"سيول بشريّة"، و"مسرح المخيّم"، و"رفاق المهجع"، و"أفعى الكهف". ولعلّ هده العتبات الفرعيّة مقاربات مهمّة في العمل الروائي للفتيان بخاصّة، مفادها التشويق الدؤوب للتلقّي، وتهيئة المتلقّي تعليميّا للإقرار بأن النفس تأنس بهذه العتبات، لأنها تمثّل تمهيدا شائقا ماتعا يحفزه على متابعة القراءة، فتضحي ثمة مسافة توتر إيجابيّة، فيها وحدة موضوعيّة وعضويّة بين المرسل والمتلقي عبر الخطاب، وهي رائز تعليميّ مهمّ في فنّ الكتابة والتعبير حين يكثّف المعنى في عتبة من كلمات لا تتجاوز بضعة أصابع اليد الواحدة، ومن هنا يستعلن العملُ الروائيّ الحقَّ المشروع الأكبر القائم على التوازي بين التعليم المدرسيّ والمطالعة؛ اختيارا كانت أم إجبارا.

5. ولأنّ الأديبة هيا صالح تشهق العربيّة وتصهلها؛ فقد وعت ببصيرتها أثر الكتابة الإبداعيّة في الوصف الحسّي والمجرّد،، فتراها بحدسها الرؤيويّ، وبأمومتها وبإبداعها، تقوم بدور المعلم في بيئتها الصغيرة وتحرص أن يُشرق النصّ بــالدقة في الوصف لما للعين من أثر في التلقّي، نحو: "سفيان في الثانية عشرة من عمره، صُلب البنية، شديد الانتباه، لكنه متسرّع ومتقلّب المزاج، وهذا ما يحمّلني مسؤولية أكبر، ويجعلني أراقبه على الدوام، خوفاً من أن ينشب عراك بينه وبين أقرانه". ونحوه وصف مشهد القصف: " أتذكّر تلك الليلة التي بدأ فيها القصف، أيقظنا أبي بفزع، كان حاسر الرأس ولا يرتدي سوى الفانيلا القطنية، وسروال النوم، أغلق النوافذ جيدا، وأطفأ الإضاءة، وعندما اشتدّ القصف وتعالى صياح الأهالي، هربنا قاصدين أسوار المستشفى الوطني".

ويدقّ الوصف في رسم الأديبة مشهد القصف، بقولها: "اشتدّ القصف، واقتربت النيران منّا، الناس يتحرّكون في كل اتجاه، نظرت إلى السماء التي أضاءتها الحمم، ثم لم أعد أرى أبي.... ثم فقدت وعيي، وعندما استيقظت كان الحزن يخيم على الدنيا، والأشباح تستوطن المدينة".

6. ولم تقف حدود الرواية عند المضمون، إنما عنيت بالمدّ اللغويّ (مفردات وتراكيب)، وبناء على التصنيف الزمني (العمري) للمتلقي، من ذلك مثالا، لا حصرا: (الصراعات الملتهبة، مرمى البصر، لقمة عيشها، حاسر الرأس، زخّات النار، التنصّل، قصف الشاحنات، الإيقاف على الحواجز، تصادرها المليشيات المسلّحة، يتوهّج طمأنينة، حاجز التفتيش، قصور كلويّ، المقايضة، حتى فاض الكيل، قواطع لاجتياز الحاجز، أكياس رمليّة وشواخص مثبتة في الأرض للتصويب على الهدف، استوطن السواد في أرضنا، بعينين واثقتين تشدّان من عزيمتي، درع واقٍ من الرصاص، التسلل عبر فتحة النفق، سمعت هديرا مرعبا للطائرات، مرّت ثوانٍ من الصمت الثقيل، انتبهت إلى تباشير الربيع، تذكّرت أسطورة أدونيس الذي سالت دماؤه فانبثقت هذه الزهور الحمراء الرقيقة).

7. وابتهت كتابة هيا صالح بالصور الأدبية البسيطة غير المركبة، إيمانا منها أن لكلّ عُمر مبانيه الصرفية، ودلالاته المعرفيّة. وانمازت الصور الأدبية في "شقائق النعمان" بفرادة قلّ أن نجدها عند كثير من المبدعين، وهي جدلية الصورة في الكلمة، والصورة الأدبية المتكاملة، أما الصورة الأدبية في الكلمة فنحو: (يجثم) على صدري، وارتسم (الشحوب) على وجوههم بسبب (الفاقة والتضوّر، وزخّات النار)، نتأمل (الخراب)، (تلمع) في رأسي الذكريات، و(كانت خيوط الفجر المتسلّلة كافية لأرى تلك النظرة الخائفة في عبنيها)، وغيره. أما الصور الأدبية جملة وتفصيلا، فمثالها: (كنت ضعيفاً كقارب من ورق، ووحيدا كمسمار دُقّ عنوة في الجدار)، و(كانت خيوط ضوء الفجر المتسلّلة كافية لأرى تلك النظرة الخائفة في عينيها)، و(في كل ربيع تظهر التلال والسهول المحيطة بالقرية كصبايا يرتدين أثواب العيد المزركشة بالأزهار الملوّنة، وتمتدّ حقول القمح على مرمى البصر)، وهو تشبيه معكوس إذ الصبايا كالطبيعة في الربيع لا الطبيعة كالصبايا، وهذا رهان مضمر من الأديبة بمكنتها في ترويض الصورة الأدبية من لدن المبدع فيهتدي به القارئ، ويغدو بصوره الجديدة المهمشة المقلقة إيجابيّا.

ولعلّ قارئ "شقائق النعمان" لن يتوقف عند هاتين الصورتين اللتين بدأت بهما الرواية غير أنهما نافذة مشرعة لتحديد هذه الصور، ومحاولة تعليمها عبر رؤيتين: الأولى على وفق ورودها في النصّ، والثاتية في قنصها، وإملائها على الطلبة في محاولة اقتفائها من جهة، وفي محاولة تفكيكها وابتداع صورة جديدة، ولعلّي أميل إلى التفكيك قصد سدّ الخانات الفارغة في ذهن المتلقي التي ما يزال الكثيرون محوطين بأسوارها لا يغادرونها فلا يستفيدون أو يفيدون.

إننا في حاجة إلى تجديد في الصورة الأدبية أنى كان تجنيسها كما فعلت الأديبة هيا صالح لنخرج من عباءة الصورة التقليدية فتكون صورة تعبّر عن واقعنا كما كانت بلاغة الأقدمين تعبّر عن ذواتهم.

8. ورواية "شقائق النعمان" غنية بالأساليب اللغويّة، من: شرط، وطلب، وجواب، واستدعاء متفاوت: لغة ودلالة للحوار: ببن أفراد الأسرة، وبين الفتية، وبين الفتية و(صقور الحق). كما عنيت هيا صالح باستدعاءٍ للجملة يخرجها من إطار الجملة النواة إلى الجملة الممتدة يمينا ويسارا، وهذا يشفع لها أن تكون رواية تعليمية لا رواية غواية تثقيفيّة حسب.

إن "شقائق النعمان" الشغوف باقتناص ما أمكن عن ظاهرة تتمشى في عروق المجتمع العربيّ شأنها شأن زيتونة عربيّة أصيلة حريّ بنا نحن كوكبة المدرسين في شتى مراحل التعليم أن نرويها من غير أن نقلّم فروعها، لأنها تنعطف في كل جملة فيها على تفاعل الثقافات والعلوم والأساليب والأبواب والأساليب اللغوية والنحويّة مهما مورس التضليل والتعتيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي غدت عنصر تعمية أكثر منها عنصر كشف وتجلية في شتى ضروب المعرفة.

وبعد، فإن "شقائق النعمان" رواية الأمل في عزّ الألم، يعزّزها ما اقتبسته الأديبة هيا صالح من المسرحيّ سعد الله ونوس: "إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ".