ولنا عودة تفصيلية إلى ملفين هامّين تعرضت لذكرهما في الحلقة السابقة، ولا بد من الوقوف عندهما ببعض التفصيل.

أما الملف الأول فهو بنك البتراء، والملف الثاني هو أنبوب النفط العراقي، والذي ابتدأ التفاوض حوله عام 1983 أثناء حكومة السيد مُضر بدران الثانية، وامتد إلى حكومة السيد أحمد عبيدات، وإلى فترة وجيزة إبان حكومة السيد زيد الرفاعي الأخيرة.

أما الآن فسوف أستطرد في سرد حكاياتي مع المناصب. في عام 1991، انتهت لجنة بنك البتراء التي عُينتْ من قبل حكومة السيد مضر بدران الأخيرة (1989) بتقديم تَوْصيتين الأولى إعلان إفلاس بنك البتراء وإحالته إلى لجنة تصفية. وأما القرار المتعلق ببنك الأردن والخليج، فقد تقرر إبقاء البنك والبحث عن مستثمرين فيه. وقد خرجت أنا من المعادلة علماً أنني صرت رئيس مجلس إدارة لبنك عمان الذي أنشئ بمبادرة مني وافق عليها البنك المركزي والحكومة والتي دمجت شركتين من شركات بنك البتراء وهي شركة المال والائتمان، وشركة البتراء للتمويل التأجيري.

وفي هذه الأثناء، كنت أسافر إلى الولايات المتحدة للمشاركة في ندوات في عدد من الجامعات الأميركية مثل جامعة هارفارد، وجامعة كاليفورنيا في لوس انجيلوس، وكذلك إلى روسيا التي كانت تمر في حالة الانهيار بعد الجلازتوست الدي بدأ به الرئيس غورباتشوف. وفي شهر سبتمبر من عام 1991، سافرت إلى «الأوروغواي» لحضور الاجتماعات السنوية لنادي روما، والذي رشحني سمو الأمير الحسن لعضويته. وبعد وصولي إلى «مونتفيديو» عاصمة الأوروغواي، انتقل الاجتماع إلى مكان رائع اسمه «بونتا ديل استي» أو «النقطة الشرقية». وفي الليلة الثانية، رَنَّ جرس الهاتف في غرفتي بالفندق، وقالت لي عاملة الهاتف إن القصر الملكي في الأردن يريد الحديث معي.

وجاء صوت عامل الهاتف في الديوان الملكي العامر يقول «معالي الدكتور جواد؟». وقلت نعم. قال «يا سيدي دخنا مية دوخه واحنا ندور عليك، سيدنا بده يحكي معك». وفجأه سمعت صوتاً غير صوت الملك عرفته على الفور وهو صوت المرحوم الدكتور كامل أبو جابر، وزير الخارجية آنذاك، يقول مداعباً «الله يقطعك.. وين رايح على آخر الدنيا». فقلت له «وهل ايقظتني معاليكم الساعة الثالثة صباحاً لتقول لي هذا؟». قال «المهم... هل أنت سعيد في الأوروغواي؟.. اتفضل سيدنا بده يحكي معك».

وبدأ رأسي يفتل ويدور بسرعة خارقة. وجاء صوت الراحل العظيم. «وين أخي... أنت في آخر الدنيا». فقلت مسرعاً «يا سيدي أنا موافق على ما ستطلبه مني». فضحك رحمه الله وقال «ويش أنا بدي أطلب منك يا أخي العزيز؟»، فقلت يا سيدي هو واحد من أمرين «إما إنك كنت تريد أن تكلفني بتشكيل الحكومة ولكن وجود معالي الدكتور كامل ألغى هذا الاحتمال، أو إنك تريد مني الانضمام الى وفد الأردن في ‏المفاوضات وهذا ما أرجحه. ‏فقال لي ما شاء الله، الله يرضى عليك هذا عشمي فيك ‏فقلت له ‏يا سيدي ‏ولا يمكن أن نقول لك ما قاله بنو إسرائيل للنبي موسى عليه السلام «‏فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون» وحصل سكوت ثم قال لي ولا ‏أنسى نبرة صوته طيله حياتي «الله يرضى عليك».

ولما عدت من رحلتي، كان مؤتمر مدريد قد عقد ولم أحضره لأنني كنت ملتزماً ‏بمحاضرة عن اقتصاديات «الطب عن بعد» في مؤتمر تحت رعاية الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر وبترتيب من صديقي الدكتور عمر لطوف جراح القلب المتميز والشهير والذي كان ايامها أستاذا بجامعة «أيموري» بمدينة اتلانتا وهي جامعة الرئيس كارتر. وبعد وصولي ذهبت في اليوم التالي إلى وزارة الخارجية حيث خُصِصتْ مكاتب للوفد هنالك. والتقيت بالدكتور عبدالسلام المجالي الذي كانت تجمعني به علاقة احترام وتقدير.

وقت توطدت هذه العلاقة لما كنت رئيساً للجمعية العلمية الملكية وهو رئيس للجامعة الاردنية. ولقد عملنا معاً لسنوات عضوين في مجلس التعليم العالي، وبعدها طلب مني أن أكون عضواً خارجياً في مجلس الجامعة الأردنية. ولما كنت قبل ذلك وزيراً للصناعة والتجارة سافرت معه مرتين الى الباكستان ممثلين للأردن في عضوية لجنة العلوم والتكنولوجيا التابعة لمنظمة الدول الإسلامية والتي رأسها آنذاك الرئيس الباكستاني الراحل محمد ضياء الحق. وقد اختارتني الوفود «‏المقرر العام» لمؤتمرات هذه اللجنة. وقد توطدت علاقتنا أكثر أثناء السفر. ولكنني لما دخلت عليه بوزارة الخارجية لم يكن استقباله لي بالدفء الذي توقعته. وجلست أحادثه واسأله ‏عن مؤتمر مدريد وهو يجيب باقتضاب. ولما مضى أكثر من ثلث ساعة على أسئلة من خمس جمل وأجوبة من مقطع أو مقطعين فاجأته بسؤال «هل أنت زعلان مني؟» ولكنني علمت أنه لم يُرد مني أن أعتقد أن تعييني في الوفد الأردني بتوصية من د. كامل أبو جابر وبأمر من جلالة الملك الحسين يعطيني الحق بأي امتيازات. هذا الاستنتاج لم يخطر على بالي في تلك الجلسة ولكن الأيام كشفته لي بعد ذلك.

وسافر الوفد في نهاية شهر تشرين الثاني إلى واشنطن برفقة الوفد الفلسطيني والذي أخّر وصوله اكثر من خمس ساعات، حتى يقرروا ما إذا كانوا يريدون الطيران مع الوفد الأردني على نفس الطائرة أم لا يريدون ذلك.

‏وقد ركزوا حينها على ضرورة الظهور بالوفد المستقل عن الوفد الأردني وهو أمر أيدته السياسة الأردنية وكانت الداعم لهذا التوجه. وتأخر وصول الوفد الإسرائيلي أسبوعا بحجة أنهم لم يكونوا جاهزين للتفاوض مع أربعة وفود عربية وجرت بين الوفدين الأردني والفلسطيني مفاوضات على مستوى رؤساء الوفود مع رئيس الوفد الإسرائيلي حتى وصلنا وبوساطة أميركية إلى أن يتشكل وفدان ولكن يكون اثنان من الوفد الأردني حاضرين اجتماعات التفاوض الفلسطيني ‏دون أن يتدخلا في النقاش، وبوجود اثنين من الوفد الفلسطيني وبنفس الشروط مع الوفد الأردني.

‏ولم تحل المشكلة إلا في الجولة الثانية حيث دخلنا إلى التفاوض. وقد كنت اجلس على رأس الطاولة على يسار د.عبد السلام بينما جلس الفريق المرحوم عبد الحافظ الكعابنة على يمين د. المجالي. وقد قرر الرئيس أن يعقد كل يوم اجتماعاً مع الوفد لمناقشة ما جرى من تفاوض مع الوفد الإسرائيلي ذلك اليوم، والاستعداد للموقف التفاوضي في اليوم التالي. وقد آثرت أنا الصمت عن الكلام حتى يطلب مني ذلك. وقد شاركنا في الوفد أيامها الاستاذ الفاضل د. وليد الخالدي والذي عمل قبلها أستأذاً بجامعة هارفارد ولقد كان دكتور الخالدي يعاملنا مثل التلاميذ في الصف، ويشرح لنا المواقف بطرق مبسطة سببت بعض الضيق للأعضاء الذين لهم خبرات طويلة، إذ كانوا كلهم من السفراء والعاملين بوزارة الخارجية، أو من الذين عملوا وزراء أو غير ذلك من المناصب. ولكن ‏تحليل د. الخالدي كان دائماً صائباً وصحيحاً. وقد حظي باحترام الجميع وتقديرهم، فقررت أنه من المناسب أن أتولى أنا مهمة تذكير د. الخالدي بأننا لسنا سذجاً وفعلت. وقلت له حبذا لو تعطينا من الآخر مقترحاتك.

ودعاني د.عبدالسلام بعد ذلك الاجتماع وسألني إن كنت أعرف الدكتور وليد الخالدي. فقلت له نعم فهو صديق سمو الأمير الحسن بن طلال، وهو ابن الاستاذ المربي الفاضل أحمد سامح الخالدي الذي عمل مديراً للكلية العربية أحسن مدرسة في العالم العربي وخرّجت أبرع العقول من فلسطين والأردن حيث تخرج والدي أحمد العناني. أما ابنه د.أحمد الخالدي رئيس تحرير مجلة دراسات فلسطينية فهو باحث قدير ومتميز. فقال ولماذا قسوت عليه؟ فقلت يا سيدي لم أكن لأترك لك مهمة تذكيره حتى نحافظ على وحدة الفريق، ولم يكن أحد غيري ليقول له ذلك تجنباً للحرج من كونه أحد أبناء القدس في الوفد، فآثرت أن أقوم أنا بهذا الدور. فنظر الى باسماً «ما انتش قليل».

وقد بقيت لمدة ثلاث دورات صامتاً عن الكلام في جلسات الوفد، ولكنني كنت نشيطاً جداً في كتابة التقارير اليومية التي ترسل لعمان. وكان معنا اثنان من الوفد يتمتعان بالدقة المتناهية في نقل النص وهما السفيران حسن أبو نعمة، ونايف القاضي.

وبما أن جلسات المفاوضات لم تُدَرْ بالطرق التقليدية حيث لم يكن هنالك مَحاضر اجتماعات يوقع عليها الوفدان لأي جلسة، وكان جائزاً لأي ‏وفد ان يغير رأيه في أمر رفضه أو قبله، حتى وأن قدم للطرف الآخر هذا الموقف خطياً وموثقاً. ولهذا كنت اكتب محاضر الجلسات لنفسي واخترت حوالي (30) مصطلحاً كنت استدل منها على موقف الوفد الإسرائيلي مثلاً هل يقولون الضفة الغربية أم يهودا والسامرة، أم الأراضي الواقفة تحت الادارة الإسرائيلية. واعتبرت ان مصطلح يهودا والسامرة هو أشدها. وكانت هنالك مصطلحات أخرى مثل الاحتلال الأردني للضفة الغربية أم الوجود الأردني في الضفة الغربية، أم الوحدة مع الأردن وهلم جرا.

‏وأخلص إلى تقييم الموقف الإسرائيلي من حيث التشدد أو التراخي وقد ساعدني ذلك كثيراً في تحليلي لما يجب أن يكون عليه موقفنا عند كتابة مقترحاتنا للحكومة الأردنية في عمان.

‏وقد انتبه دولة الدكتور عبد السلام إلى ذلك وصار يطلب رأيي في الجلسات، ويميل إليه. ولكنني كنت دائما أناقش رأيي مع زملائي بخاصة د. فايز الطراونة، نايف القاضي، حسن أبو نعمة، وبالطبع د. منذر حدادين، والأستاذ عون الخصاونة ود.موسى بريزات، والفريق عبد الحافظ الكعابنة. ومن حصيلة الآراء كنت أحدد مواقفي ومقترحاتي.

ولما كانت تضيق علينا الأوقات وتتوتر الأعصاب كنت أثناء تناول وجبات الطعام اتكلم مع أعضاء الوفد لنضحك سوياً، أو أقلد أحدهم، فيضحك الجميع. واذكر مرة أننا سافرنا بعد انتهاء الجولة الرابعة عام 1992 في الباص من واشنطن إلى نيويورك لكي نرجع إلى عمان على متن الملكية الاردنية. فقد أمضينا الرحلة التي استغرقت ست ساعات وأنا اتكلم وأقلد الأعضاء بدءاً من الرئيس د.عبد السلام والذي كان يضحك ويشير إليّ بإصبعه منذراً، إلى اصغر الموظفين العاملين معنا والصحفيين الذين رافقونا لتغطية أخبار الوفد.

وذات يوم في عام 1993، وبعد مرور ما يقارب سنة ونصف السنة على بدء الجولات التفاوضية في واشنطن دعانا د. المجالي ليخبرنا أن جلالة الراحل الملك الحسين قد شفي من مرض السرطان تماماً. وأنه قد عاد إلى منزله قرب واشنطن، وأنه سيستقبل الوفد مساء ذلك اليوم. ولا استطيع أن أصف مشاعر الفرح التي غمرت أعضاء الوفد ولا لهفتهم على لقاء جلالته. وعند اللقاء استقبلنا الراحل العظيم بابتسامته الدائمة الأخاذة، وأخذنا جميعاً بالحضن وهنأنا على جِدنا ونشاطنا في العمل ولما كنا على وشك المغادرة اقترب جلالته من د. عبدالسلام المجالي، وقال ‏له نراك قريباً في عمان. وضحكت أنا ونظر إلي جلالته نظرة خاصة وقال وانت كمان.

‏ومضى حوالي شهرين وإذا بالدكتور عبدالسلام يقول إن جلالته قد طلب منه ومني العودة إلى عمان. وفي الطريق تناقشنا في سبب الدعوة وقلت له أن جلالته يريدك رئيسا للوزراء فقال وما أدراك يا فصيح؟ قلت له هذا رأيي. وفي المساء حادثني د. عبدالسلام ‏طالباً مني الذهاب فوراً إلى منزله قرب الدوار السادس. وقال لي إن جلالته قد كلفه بتشكيل الحكومة، وإنه سيرسل له كتاب تكليف. وطلب مني د. عبدالسلام أن أعد رداً عليه عند وصوله. وجلسنا نتذاكر أسماء الوزراء. وبدأ يقابل المرشحين الذي بلغوا أكثر من خمسين شخصاً. وأخيراً استقرت القائمة يوم 1993/5/29، وكنت قد طلبت أن أكون وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء بالإضافة إلى تكليفي بأن أكون المنسق العام للمفاوضات، وأن أرأس اللجنة الاقتصادية الحكومية.

وعدت إلى البيت ومعي القائمة بالأسماء وجلست أعيد ترتيبها فوجدت أنني سأكون رقم (2) بعد الرئيس مباشرة. فاتصلت بدولة الدكتور عبدالسلام، قلت له أنا حسب الأقدمية سأكون رقم (2) فقال، وما المشكلة قلت له يا سيدي أنت وزير الخارجية (وقد عين المرحوم السفير طلال الحسن عضو الوفد وزير الدولة للشؤون الخارجية). وهذا يتطلب سفرك. وأنا واثق إنك ستختارني لأسافر معك كثيراً. وربما نسافر أيضاً مع سيدنا جلالة الملك، ومع سيدي سمو الأمير الحسن، وليس من اللائق أن يسافر رئيس الحكومة ومعه رقم (2) في الحكومة باستمرار.

وسخط علي وقال «ما صدقنا واحنا نخلص». قلت له أرجوك فكر. وبعد ساعة وإذا بهاتف التلفون يرن وإذا بجلالة الملك الحسين يحادثني قائلاً «أنت صاير تبع مشاكل» فشرحت موقفي لجلالته ‏فسألني وما رأيك بتعيين معالي الباشا معن أبو نوار وزيراً للإعلام؟ فقلت يا سيدي نعم الاختيار. وفي اليوم التالي أقسمنا اليمين أمامه جلالته.