تتكون المجتمعات الإنسانية من تقارب للمفاهيم بين أفراد البيئة الواحدة، فيشكلون نسيجاً متماسِكاً يقوم على مصلحة الفرد والمجتمع، ثمّ لا يلبث أن تتزايد الأعداد وتتسع دائرة الاهتمامات، وهنا يصبح الاستحواذ على مصلحة الفرد سِمة بالغة للمجتمع الإنسانيّ.

وحينما كانت العملية الإصلاحية تستوجب على الحكماء والمصلحين زيادة المودة والمحبّة والألفة بين الناس، لتقليل الشحّ، ومنع اتباع الهوى، ونزع فتيل الخلاف والاختلاف، والحدّ من المواجهات العنيفة بينهم. جاء فضل الله عظيماً بإرسال الأنبياء والمرسلين، فيبشرون أقوامهم بالخير والفأل الحسن والأجر والمثوبة على فعل الخيرات، وينذرونهم عاقبة العداوة والاعتداء على حقوق الله وعباده.

وبعد سلسلة نوْرانية من الأنبياء والمرسلين، بعثَ اللهُ، نبيّاً عربيّاً هاشميّاً، في مكة التي كرمها الله ببيته الحرام، فكان محمد بن عبدالله بن عبدالمطّلب، الذي نزل عليه القرآن في جبلِ النّور، فدعا قومه لعبادة الله وحده، وترك الأصنام وأكل الميتة والاعتداء على حرمات المكان والإنسان.

لقد آمنّ بالنبيّ محمد صلى الله عليه وسلّم، ضعفاء مكة وبعض الوافدين إليها، وقلّة من أحسابها وأُرومتها، فبدأت العداوة ضدَّهم، وأنزلَ صناديد قريش العذاب على من تصل إليه أيديهم. حتى جاء الإذن من الله تعالى، لنبيّه صلى الله عليه وسلّم أن يهاجر إلى بلدٍ يجد فيها النّصرة.

فقد مشـى محمد صلى الله عليه وسلّم برجليه في طرقات مكة، وأُدميت قدماه في الطائف، وهام على وجهه في قَرن الثعالب، وعرض نفسَه على القبائل لينصروه والله ناصره، ثمّ هاجر لتكون عزّة الإسلام بين مكة التي رفعَ البيتَ فيها أبو الأنبياء، والمدينة التي بنى المسجدَ فيها سيّدُ الأنبياء، وسيّد ولد آدم كلّهم.

في الهجرة النبوية دروس لا تنضب، ومَعينٌ لا ينفد، ومَدرسةٌ مفتحة أبوابها، إنها صفحة أضاءت ما بين الخافقين، وبدأت الحياة بعدها تأخذ مجرى الصواب، وتبني على جادة الطريق إشارات: «لن تضلوا بعدي أبداً». وعلامات كالنجوم يهتدي بها الناس في ظلمات البرّ والبحر.

وإذا أردنا أن نقف مع الهجرة، مواقف لنؤكد على أن صياغة التاريخ أخذت منحى مختلفا عن ذلك الذي تعاهدته الأمم من ذي قبل، فإليكم بعض من تلك المواقف:

أولاً: بدأ النبيّ صلى الله عليه وسلّم، هجرته آخذا بالأسباب، كأيّ إنسان يريد أن يحقق غاية وهدفا، فخرج سرّا، وتوجه جنوبا لا إلى المدينة مباشرة، ومكث في غار ثور ثلاثة أيّامٍ، واتخذَ دليلًا للطريق، وسلك طريقا غير مألوفة، واتخذ صاحبا مخلصا. كلّ ذلك لنتعلم كيف نبني جيلاً ونصنع أمة.

ثانياً: آخى بين المهاجرين والأنصار، في صورة إنسانية أعظم من أخوّة النسب والحسب.

ثالثاً: بدأ بالمسجد ليكون الحِصن والقلعة ومجلس الشورى، وغير ذلك من لوازم إقامة الدولة.

رابعاً: أعطى اليهودَ ميثاقًا يَأْمنون به على أنفسهم وأموالهم وتجارتهم. ولم يستغلّهم أو ينكّل بهم، حيث كانوا يستحوذون على التجارة والمال. لأجل ذلك كانت خيانتهم للمسلمين عاقبتها وخيمة وعقابها أليم، حسب المواثيق الإنسانية والحكم الرّبّانيّ.

خامساً: خاطب العرب في جزيرة العرب، واستقبل الوفود، ولما انتهى من العرب خاطب أهل الجوار في الشام ومصر والفرس.

لقد كان لهذه الإجراءات دور في بناء المعاملة بين المسلمين العرب ومن دخل في الإسلام مع غيرهم من الناس على أساس الاحترام الدوليّ، وفتح باب الحوار والدعوة الربانية الرحيمة.

إنّ الهجرة النبوية ميلاد أمة من ناحية ومن ناحية أخرى: صياغة جديدة لتاريخ الإنسانية.

agaweed1966@gmail.com