التعميم الذي أصدرته المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي قبل أيام، والذي ينصّ على وقف تحويل الرواتب التقاعدية إلى حسابات أشخاص حاصلين على وكالات عدلية يكشف النقاب عن أن ظاهرة بيع الرواتب ما تزال متفشية.

فقد سبق أن اتخذت المؤسسة إجراءات عملية لمنع ظاهرة بيع الرواتب منذ عدة أعوام، لكنها تعيد ذات التعميم اليوم دلالة على أن الظاهرة ما زالت منتشرة، لكنها انتقلت إلى العلن، وبحسب إعلانات تنشر في وسائل التواصل الاجتماعي إلى اتفاقات سرية، وأخرى ملتوية، ووفقا لضمانات متعددة يفرضها المشتري، ويخضع لها البائع.

فالعملية بمجملها تقوم على فكرة قيام أحد الأشخاص ببيع راتبه التقاعدي إلى شخص آخر، وبحيث يتم تحويل ذلك الراتب إلى حساب المشتري مع التزام بأن يستمر التحويل مدى الحياة. وفي بعض الأحيان إلى ما بعد الوفاة، بحيث تمتد إلى حصة الورثة، ومن خلال توقيعهم على وثيقة العقد، وعلى الضمانات المطلوبة.

فقد أعلنت المؤسسة قبل أيام عن قرارها بإيقاف تحويل الرواتب إلى حسابات الوكلاء الحاصلين على وكالات عدلية من المتقاعدين اعتباراً من نهاية الشهر الحالي آب 2021.

ودعت المتقاعدين الذين يتقاضون رواتبهم من خلال الوكلاء تزويدها بأرقام حساباتهم البنكية «الآيبان».

وبينما أشارت في تعميمها إلى أن قرار وقف اعتماد الوكالات العدلية أصبح ساريا منذ مطلع العام 2016، أشارت إلى استمرار تلك الوكالات لغايات متابعة إجراءات صرف الحقوق التأمينية والتوقيع على كافة القرارات الصادرة عن المؤسسة.

هذا الاستثناء يمكن قراءته على اعتبار أنه ثغرة ما زالت قائمة، يتوجب سدها، ليس بقرار فقط، وإنما بتشريع يمنع بيع الرواتب، كما يمنع أي تفويض لمن هم من غير الأقرباء من الدرجة الأولى، كالأبناء، والزوجة، وفي ظروف خاصة يجب إثباتها» الأخ أو الأخت».

لن أدخل في تفاصيل تلك العملية وبشاعتها، واختراقها إطار المحرمات في بعض الأحيان، ولا من الناحية الأخلاقية، أو حتى الناحية الاقتصادية، حيث أكدت بعض التجارب أن المبالغ التي حصل عليها البائع تبخرت خلال عام أو اثنين، وازدادت حالة صاحبها سوءا بعد ذلك.

فالراتب التقاعدي هو ضمانة المستقبل للأسرة كاملة، مهما تدنت قيمة ذلك الراتب، ومهما ارتفعت تكاليف المعيشة.

في بعد آخر من هذا الملف، لا نستطيع أن نلوم المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي على استمرار تلك الظاهرة، حيث فعلت ما هو متاح أمامها، وما يمكن أن تقوم به، ويبقى ما تقوم به الأطراف الأخرى من إجراءات تبطل ما تملكه المؤسسة من صلاحيات.

فمع التأكيد على ضرورة إلغاء اعتماد الوكالات العدلية إلا ضمن إطار القرابة من الدرجة الأولى في حالات محددة، لا بد من إصدار تشريع يلزم البنوك بوقف أي تفويض من شخص إلى آخر باستلام الرواتب نيابة عنه. فالمعلومات المتسربة تشير إلى أن عمليات البيع التي أوقفتها المؤسسة، تتم من خلال الحسابات البنكية وبموجب وكالات عدلية، وضمانات بين» البائع والشاري».

هذا التشريع يجب أن يضع الكثير من الضوابط للحد من إطلاق يد البنوك في مثل تلك الممارسات وغيرها.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com