في الوقت الذي تُواصل فيه وسائل إعلام عربية وأُخرى تُركية وإسلاموية...تلفزة,صحفا ومواقع إلكترونية, حملة شيطنة وتشويه لِسمعة وشخصية الرئيس التونسي قيس سعيّد, وصل بعضها حدود السفَه والإنحطاط الأخلاقي, عبر الحطّ من السمات الجسدية وملامح ولغة/اُسلوب الفقيه القانوني والدستوري, الذي جاء الى قصر قرطاج الرئاسي بأصوات أغلبية شعبية وازنة، لم يحظ بها مرشحون آخرون خاضوا غمار السياسة لعقود طويلة, لكن التوانسة لفظوهم وأداروا لهم الظهور, علّ المرشح غير القادم من «ميدان» السياسة، يغيّر في مشهد مُتكلس/فاسد احتكره ديكتاتور وجنرال مشبوه, ما لبثت حركة النهضة أن هيمنت على المشهد بخطاب مُستهلك يعزف على الغرّائر الدينية ويتوسل الإيمان الفطري للتوانسة, للحصول على أصواتهم, دون أن تطرح برامج تقف بالضد من ممارسات نظام بن علي أو تنأى بنفسها عن موروث جماعة الإخوان المسلمين, الذي بات السلطان التركي في أنقرة مرجعيتهم, منذ الشرارة الأولى التي انطلقت من سيدي بوزيد واتلاف عربة البوعزيزي الذي أحرق نفسه كتعبير يائس من قمع وتنكيل ديكتاتورية قمعية, تتلقى أوامرها من عواصم الغرب الإستعماري واجهزته الإستخبارية.

في مشهد كهذا يخرج زعيم حزب/حركة النهضة راشد الغنوشي, في حملة إعلامية تحريضية عبر وسائل إعلام إيطالية,فرنسية وثالثة عربية..متوعداً الرئيس سعيّد بالفوضى والعنف ومواجهات الشارع,كـ"بديل"اختارته «النهضة"(نهضة..لِمَن؟), إذا لم «يتراجع» سعيّد عن قراراته. مؤكداَ أن «الإنقلاب سيفشل, وإن لا شرعية لأي حكومة أو رئيس حكومة يختاره سعيّد, إذا لم يحظَ بموافقة البرلمان». مع عِلم الغنوشي أن البرلمان تم تجميده.

فهل بمقدور الغنوشي تنفيذ تهديداته الإنتحارية هذه؟ وهل يضمن شخصياً بقاء حزبه على تماسكه, بعد خروج أصوات وازنة ومؤثرة عليه وعلى زعامته؟ مُنتقِدة ومحملة اياه المسؤولية, وأنه بتصريحاته الإستفزازية والخطيرة هذه إنما يُعرض السلم الأهلي في البلاد الى خطر الفوضى والإنزلاق الى حرب أهلية. ما يُذكرنا بـ"مُذكرة المائة » التي وقّعها أكثر من مائة ناشط وكادر وقيادي داخل الحركة, يطالبون الغنّوشي بالتنحّي وعدم الترشّح لرئاسة الحركة في المؤتمر القادم الذي بات انعقاده موضع شك, في حال اتّسع الصدع داخل صفوف الحركة وانشق بعض قادتها أو ذهبوا الى تشكيل حزب جديد, أو اختاروا اعتزال العمل السياسي كما حدث مع أحد أبرز مؤسسي النهضة/عبد الفتاح مورو.. المُرشح الرئاسي الذي راج أن الغنوشي وأعضاء في النهضة لم يُصوتوا له في الإنتخابات الرئاسية, التي فاز بها الرئيس الحالي قيس سعيّد (حلّ مورو في المرتبة الثالثة), بينما جاء رئيس حزب قلب تونس/نبيل القروي الطارئ على السياسة في المرتبة الثانية, ما عُدّ صفعة لحركة النهضة والغنوشي نفسه. خاصة وصول قيس سعيّد الى قصر قرطاج فيما هو واصل (الغنوشي) ثرثرته حول بطولاته ونضاله في مراكز الأبحاث الأميركية واعداً بالإعتدال والصداقة مع الغرب و «السلام» في الشرق الأوسط.

هنا تكمن عقدة الغنوشي..فقد عمل بدأب على تحجيم رئيس الجمهورية حدود تجاهله والتآمر العلني عليه, وخصوصاً عندما تآمر مع نبيل القروي لإسقاط حكومة الياس الفخفاخ واختراع تهم فساد له, الى أن وقع الرئيس سعيّد في «الخطأ التاريخي» الذي قاد الى المشهد الراهن, بترشيحه هشام المشيشي/مستشاره السابق ووزير الداخلية لرئاسة حكومة جديدة تخلف حكومة الفخفاخ، فأوقع الغنوشي المشيشي في «شِباكِه التآمرية", وشكّلا ثُنائِيا مضاداً لرئيس الجمهورية, لم يسفر سوى عن مزيد من التوتر والتراشق الإعلامي وشل البلاد, على النحو الذي وصل ذروته في إحتلال تونس «المرتبة الأولى» على العالم في تفشّي السلالة المتحوّرة عن فيروس كورونا والمعروفة بـ"دلتا». ومع ذلك لم يرتدع الغنّوشي أو يتراجع, وها هو الآن يعترف بأنه النهضة «أخطات وتسرّعت»، لكنه لا يريد دفع ثمن أخطائه وتسرّعه ولا يرغب في الإعتذار من الشعب التونسي, الذي أولى بعض قطاعاته ثقته به وبحزبه, رغم معاقبته له في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة عندما قلّص عدد نوابه من 68 في انتخابات سابقة/2014 الى 52 في انتخابات/2019. ومع ذلك يواصل الغنّوشي وقلة قليلة من الموالين له, أخذ تونس الى الفوضى والمجهول معتمداً في ما يبدو على الحليف الإقليمي الوحيد له/أردوغان.

والحال..من غير التسرّع القول:أن الغنوشي مُوشك على فقدان مستقبله السياسي في المواجهة الراهنة (غير المحسومة حتى الان), خصوصاً أن حركته/حزبه لن يبقى موحداً في الفترة القصيرة المقبلة, وأن ما بدأه الرئيس سعيّد سينتهي الى «تحجيم» النهضة وتراجُع حضورها, على النحو الذي إنتهى إليه حزب «نداء تونس».. إن كان ثمّة مَن يتذكّره الآن.

kharroub@jpf.com.jo