ليس قريبا ولا غريبا أن تعتمد حكومات العالم طرائق متعددة للتجسس والتصنت على أعدائها واصدقائها أيضا، ويعرف الجميع أن هناك من يستمع إلى محادثاتك في ظل الغيمة العالمية للإتصالات المعقدة والأنظمة الإلكترونية الخارقة للأمان، وكل ذلك تعتبره حكومات العالم جزءاً من الأمن القومي، ولكن المشكلة في الأمر أنها تستخدمه بسرية، أو دون الخضوع للقوانين التي تحمي الخصوصية، فهل فضيحة نظام «بيغاسوس» الإسرائيلي كانت الأولى؟ بالطبع لا، ولكن أهميتها أنها أستهدفت رؤساء دول وزعماء ونشطاء عالميين للتصنت وكشف أسرار محادثاتهم وتتبعك تحركاتهم بدقة كبيرة، فمتى كانت البداية؟

ولعل بداية افتضاح عمليات التجسس العالمية للقرن العشرين كانت من بريطانيا، ففي شباط من العام 2000 خرجت تقارير تتحدث عن عمليات تجسس قامت بها رئيسة الوزراء الحديدية مارغريت تاتشر على وزيرين معارضين لها في الحكومة بداية التسعينات،مستخدمة شبكة تجسس عالمية يطلق عليها «إيكلون»، كشف عنها جاسوس كندي سابق في الشبكة، وبالطبع امتنع مكتبها عن التعليق، ولكن تقريرا للبرلمان الأوروبي أكد قبل ذلك بأن هناك شبكة تجسس عالمية تدعى ايكلون، وتديرها فضلا عن بريطانيا الولايات المتحدة وكندا واسترايا ونيوزيلاندا، ومهمتها اعتراض المكالمات الهاتفية العالمية والفاكس ومحتوى البريد الإلكتروني عن طريق محطات فضائية زرعت في مناطق محددة على نطاق الفضاء الدولي، واستخدامها لأغراض جمع المعلومات خصوصا التجسس الصناعي.

اعتمدت شبكة ايكلون للتجسس، حسب معلومات البحث، على مجموعة من البرمجيات المعقدة التي تم تطويرها عبر سنوات طويلة وانفقت عليها مليارات الدولارات وأخضعت الذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات في محطات الفضاء الصغيرة والكيبلات البحرية للنقل الهاتفي، وأهم برمجياتها كانت، نظام «أويزيس» الذي طوره جهاز الاستخبارات الأميركية لتحويل الصوت إلى نص مكتوب، وتفريغ المقابلات التلفزيونية والإذاعية إلى نصوص مقروءة وتمييز أصوات المتحدثين وجنسهم بسرعة فائقة.

النظام الثاني فكان يدعى «فلووينت» ومهمته مسح الكلمات المكتوبة باللغات الأخرى باستخدام الكلمات المفتاحية باللغة الإنجليزية وترجمتها آلياً للإنجليزية الحرفية، وإخضاع اللغات الروسية والصينية والأوكرانية والكورية والعربية ايضا للمسح الفوري، أما النظام الثالث فهو «الزوبعة» وهو المثير جداً، إذ انه يعتمد نظاما يقوم بالتقاط إشارات الكمبيوتر، كنقرات مفاتيح الجهاز وصور الشاشات الكمبيوترية، عن طريق التنصت عليها عن بُعد مبانٍ متعددة، أو خلال جدران لبناية ما باستخدام تقنيات تعتمد على التقاط الموجات الإلكترومغناطيسية.

بالطبع لم تكن عمليات التجسس عالميا متوقفة قبل ذلك، فالعمليات السرية بدأت منذ الحرب العالمية الثانية وتم تطوير آلياتها، مرورا بعقود متقدمة حتى وصلنا الى ذروة التقدم الإلكتروني الذي يخدم المهمات الحمائية وأسوأها القذرة التي تستهدف الأفراد من الناشطين السياسيين والمعارضين لحكومات بلادهم أو المصنفين كمناوئين للأنظمة المرتبطة بعلاقات مع الدول الكبرى، ولكن مع افتضاح العديد من تلك القضايا كالمساعدة في تحديد أماكن المعارضين واستهدافهم بالقتل، فقد بات التنديد من قبل منظمات حقوق الإنسان الأوروبية والأميركية والدول المتحضرة مصدر قلق للشركات العاملة في الصناعات التجسسية وأخرها شركة ( NOS ) الإسرائيلية التي يرأسها مدير الموساد السابق يوسي كوهين، والتي فضحتها صحيفة الجارديان البريطانية وذكرت التقارير أن عشرات الآلاف من أجهزة الهواتف قد اخضعت للمراقبة دون علم أصحابها منهم رؤوساء حكومات كبرى وصحفيين وسياسيين.

من هنا فإن عدوك يختبىء في جيبك وتقبض عليه بيدك،وبات جزءا من أعضائك الحيوية، تشاهد عليه وتكتب عبره ملايين الأحرف والمراسلات الجيدة والسيئة، وتركنا قراءة الكتاب وانخرطنا في سوق الفضائح الشخصية ونقل المعلومات غير الموثوقة، وتحولنا من شهود الى جلادين،وأضعنا وقت الأطفال والعائلة والأعمال الجيدة لحساب ملايين الغيمات السوداء، وهذا كله يخدم شركات التطبيقات التي تستهدف خصوصياتنا وتسرق المعلومات لبيعها لشركات عالمية واستخبارية وتسطو على صور ومعلومات خاصة، ثم نقول لماذا يتجسسوا علينا، والجواب لأننا دول فشلت في صنع بطارية لهاتف خليوي، فكيف تصنع إنسانا تثق به؟

Royal430@hotmail.com