تداعيات التعرفة الجديدة للتيار الكهربائي، التي كشفت عنها وزيرة الطاقة أمام لجنة برلمانية الأسبوع الفائت، والتي «أبدعها» فريق من البنك الدولي، أعادت الى الأذهان ملفا ضخما من الأوراق المتعلقة بملف الطاقة بمحطاته المتعددة.

أولى تلك الأوراق، ما اعتبرته الحكومة «شروطا مجحفة» تضمنتها اتفاقية العطارات، لتوليد الكهرباء من الصخر الزيتي، وتحديدا في مجال الأسعار، وما تبع ذلك من قرار حكومي بالتوجه نحو التحكيم الدولي. وهي الخطوة التي لم يكشف أي مسؤول أو أية جهة حتى الآن عن أي جديد بخصوصها.

فالشارع يتلهف لمعرفة أي معلومة حول التحكيم، يمكن أن تعزز الأمل لديه بفتح ملف اتفاقيات التوليد مع شركات عديدة أضافت على المستهلك أعباء كبيرة، قدرها أحد البرلمانيين بحوالي 380 مليون دينار سنويا. لكنه في الوقت نفسه ينخرط في حالة من الإحباط نتيجة لتغير اللهجة الرسمية حول تلك الاتفاقيات، وتحولها إلى التشكيك في إمكانية فتحها للنقاش، أملا بالتعديل وتخفيف الشروط.

الشارع، الذي عاد إلى حالة الإحباط من جديد، وجد نفسه مضطرا إلى توصيف ما حدث على اعتبار أنه نوع من الفساد الذي يجب أن يعمل البرلمان والحكومة معا على محاسبة مرتكبيه. وتعززت القناعة بذلك التوصيف على أرضية أن كافة اتفاقيات الطاقة الموقعة مع شركات التوليد تسري فعاليتها إلى ربع قرن أو أكثر، ولا تترك للحكومة أو لأي طرف رسمي مجالا لأي تغيير أو تعديل. أو حتى نقاش مهما اختلفت الظروف والمعطيات.

وضمن إطار النقاشات الداخلية، وفي الرد على من يستبعد توصيف الفساد لصالح «الاجتهاد الإداري»، يرى تيار واسع من المستهلكين أن سوء الاجتهاد في هذه الحالة لا يختلف عن الفساد، خاصة وأن تبعات الاتفاقيات قد تركت أثرا سلبيا على مختلف القطاعات، وأضافت أعباء كبيرة على المستهلك، ورفعت من كلفة الإنتاج على مختلف القطاعات، وزادت من حجم المديونية.

كما أن الخطأ الإداري يمكن أن يحدث في نقطة واحدة من نقاط الاتفاقية، وليس في كل تفاصيلها. ويمكن أن يترك بابا للاقتراب من العدالة، بدلا من إغلاق كافة الأبواب.

أمام كل تلك الحجج والبراهين التي يجري تداولها بصمت أحيانا، وبصوت مرتفع أحيانا كثيرة، هناك من يطالب بتوصيف الفساد وإعادة تعريفه، مع التركيز على مسؤولية من يوقع الاتفاقيات نيابة عن الحكومة مع أي طرف، وبخاصة تلك الاتفاقيات التي ترتب على الخزينة وعلى المواطنين التزامات مالية. وتلك التي تترك اثرا على المالية العامة، وعلى التزامات المواطنين لأمد طويل أو قصير.

وضمن ذات السياق، لا بد من وضع آلية معينة وتراتبية لوضع الاتفاقيات وإقرارها قبل توقيعها، بدلا من الأسلوب الذي اتبع في وضع اتفاقيات الطاقة والتي يقال أنها تمت بناء على اتصالات هاتفية ولخدمة متنفذين في مواقع مختلفة.

والأهم من ذلك كله، أن تعيد الدولة بمؤسساتها المعنية فتح ملف الطاقة، من خلال رفع كلفة الفساد الذي أحاط بالاتفاقيات، وإلزام الشركات بالتراجع عن اتفاقياتها والسماح بتعديلها. ولو تم ذلك من طرف واحد هو الطرف الحكومي، وعلى قاعدة «للمتضرر اللجوء إلى القضاء».

Ahmad.h.alhusban@gmail.com