توقفنا في المقالة الماضيةً عند بدايات حكومة دولة الأستاذ أحمد عبيدات والتي قررت أن تعالج موضوع الحوكمة في أربع مؤسسات كان يديرها أربعة مدراء ورؤساء مجالس أقوياء. وانتهت المعركة باستقالة كل من المرحوم السيد محمد كمال من التلفزيون الأردني، والمهندس علي الخصاونة رحمه الله من شركة البوتاس. أما المرحومان علي غندور وزهير خوري فقد انقذهما أن قانوني الملكية الأردنية وبنك الاسكان كانا يسمحان بالجمع بين منصبي المدير العام ورئيس مجلس الادارة. وقد قام البنك المركزي لاحقاً بمنع الجمع بين المنصبين في البنوك الأردنية عمل?ً بالحوكمة في المصارف. وبعد تحويل الملكية الأردنية من مؤسسة عامة إلى شركة فصل المنصبين عن بعضهما. كل ذلك حصل بعد استقالة حكومة أحمد عبيدات بسنوات.

وفي صيف عام 1984، حضر جلالة الملك الحسين إلى مجلس الوزراء في جلسة طارئة، وكنت يومها في جولة خارج عمَّان. وعدت على عجل، ودخلت إلى قاعة مجلس الوزراء حيث ترأس جلالته المجلس، وبدا بعض الوزراء وكأن على رؤوسهم الطير. وطلب معالي د. سعيد التل الكلام قائلاً » إذا بيسمح لي جلالة الملك، فأنا أقول أن مصر دولة مهمة، ولكن لماذا نكون نحن المبادرين بعودة مصر إلى الجامعة العربية؟ لماذا لا تبدأ بعض دول الخليج بذلك؟ فقال جلالته وما المانع أن نكون نحن؟ ولم يجب أحد على تساؤل جلالته، واستأذنت في طلب الكلام، فأذن لي جلالته بذلك.?فقلت يا سيدي أن الجامعة العربية بدأت في مصر، وهي أكبر الدول العربية. لقد كان خلافنا مع الرئيس أنور السادات. أما الرئيس الحالي حسني مبارك، فقد نادى باعادة الأراضي المحتلة، وليس من السهل عليه أن يتراجع عن عملية السلام مع اسرائيل حتى لو أراد ذلك شخصياً، وأرى أن يأخذ الأردن المبادرة بعودة مصر لأن أراضيه محتلة، ويعرف أن قرار (242) قد قام على مبدأ اعادة الأرض مقابل السلام.

وفي اليوم الثاني. بُلغت أن أسافر إلى القاهرة بمعية سمو الأمير الحسن بن طلال. وقد استقبلنا استقبالاً حفياً. والتقى سموه مع الرئيس مبارك، ولم أحْضُر الاجتماع. ولعب الأمير الحسن الحريص على الفوز في كل منافساته الرياضية مباراة مع الرئيس مبارك في لعبة «سكواش» وخسر المباراة. أما أنا فقد انهمكت في نقاشات لتعزيز التجارة مع مصر.

وَبعْد ظهر ذلك اليوم، رجع سموه إلى أرض الوطن، وفي المطار سألني رئيس الوزراء المصري المرحوم كمال حسن علي إن كانت مباحثاتي مع زملائي المصريين تسير بشكل جيد. فأجبت بالنفي. فقال لي الرجل أمام سمو الأمير الحسن «حتمشي الأمور إن شاء الله اليوم».

وأكد علي سمو الأمير أن أتعاون مع زملائي ونظرائي خاصة الدكتور كمال الجنزوري وزير التخطيط، والذي أصبح لاحقاً رئيساً للوزراء. ولما عدت إلى الاجتماع بعد ظهر ذلك اليوم، سارت المباحثات بشكل سلس. ودُعيت ذلك المساء إلى العشاء في فندق » سونيستا» بمصر الجديدة.

وكانت جلسة العشاء ظريفة. وفجأة جاءني مدير المطعم ليهمس في أذني أن القصر الملكي يريدك على الهاتف، فاستأذنت وذهبت إلى صندوق تلفون داخله كرسي، ويقع قرب الدرج، وقلت هالو، فأجابني المقسم بأن سيدنا يريد محادثتي. وقال جلالته » نحن نريد أن نبني علاقة جيدة مع الأشقاء. المسألة ليست مسألة تجارة وتبادل منافع، وأرجو أن تتساهل مع الأخوة، وأن تكون متعاوناً معهم إلى أقصى حد. فقلت يا سيدي ولكننا انهينا ووقعنا، والأمور أن شاء الله جيدة. فقال جلالته » كما قلت لك نحن نريد أن يعود الإخوة إلى حضنهم العربي، كفانا فرقة وخلافات. و?جأة وإذا بزفة عرس تنزل على الدرج القريب من صندوق الهاتف، وضجت الزغاريت، وفي مقدمتهم راقصة كما العادة في أفراح مصر. ولم أعد أسمع صوت الراحل العظيم.

ولما مرت الزفة، وعدت أسمع ما يقال، سألني جلالته «ما الذي يجري» فقلت له «يا سيدي نحن في فندق على العشاء وهذا العرس ليس لي». «والله بتعملها» قال ضاحكاً. «تذكر أنَّ الهدف ليس الكسب المادي، بل تعزيز العلاقات مع الأشقاء». ووصلت رسالة جلالة المغفور له بإذن الله لي وللأخوة في مصر. وقد ساهم الأردن في عودة مصر إلى الصف العربي، وعادت الجامعة العربية إلى القاهرة، وعبرها عادت إلى منظمة الدول الاسلامية عندما كان سمو الأمير الحسن يترأس الوفد الأردني.

وفي شهر تشرين الأول في جلسة لمجلس الأعيان، وقف دولة الأستاذ زيد الرفاعي (نائب رئيس المجلس) وقال في كلمة له ما معناه أن حكومته قد ألغت قانون العشائر من الباب، وكلفها ذلك مجهوداً ووقتاً، ولكن الحكومات التي تلت ذلك، ومنها حكومة أحمد عبيدات، قد عادت وأدخلته ثانية من الشباك. فقام المرحوم سليمان عرار. نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية، ليؤكد أن الحكومة لم تخالف القانون، ولكنها أبقت القضاء العشائري في قضايا الجلوة، وقضايا العرض. وجرى نقاش حاد في المجلس. وخرجت الصحف في اليوم التالي بمقالات أذكر منها مقالاً للدكتور ?بدالله الخطيب يهاجم فيها قانون العشائر، وآخرين غيره. وبرز آخرون مدافعون بحماسة عن العشائر ودورها. ولما تجمع عدد من رؤساء العشائر في الديوان الملكي خاطبهم جلالة الحسين بمنتهى الود معتبراً نفسه واحداً منهم وإليهم. وأرسل جلالته رسالة إلى الحكومة يتهم فيها الاعلام بارتكاب خطأ كبير في حق العشائر، ويلح على تصويب العلاقات. وفهمت منها وزيرة الاعلام آنذاك السيدة ليلى شرف أن جلالته غير راض عن أداء وزارتها. فقدمت استقالتها مطالبة رئيس الوزراء بالدفاع عنها. وقد اقترح معالي السيد سليمان عرار على دولة الرئيس أن يقدم است?الته وأيدته في ذلك، ولكن الرئيس رفض.

وجاء بعد ذلك قضية انتخابات رؤساء لثماني بلديات في الضفة الغربية المحتلة، منهم أربعة كانوا مُعَيّنين مِن قبل الحاكم المدني الاسرائيلي للضفة الغربية، واثنان أُبْعِدا عن الضفة وهما المرحوم فهد القواسمي، ومحمد حسن ملحم، رئيسا بلدتي الخليل وحلحول على التوالي. أما رئيس بلدية نابلس بسام الشكعة ورئيس بلدية رام الله كريم خلف واللذان تعرضا لحادثي تفجير أفقد الأول رجليه، وأدى إلى وفاة الثاني في عام 1980. وقد رأت الحكومة آنذاك أن تجرى انتخابات في كل البلديات دفعة واحدة. ولكن كان هنالك رأي ينادي باجرائها واحدة واحدة. و?م يحسم الأمر حتى استقالة حكومة أحمد عبيدات في شهر نيسان عام 1985. وقد عينت اسرائيل السيد ظافر المصري رئيساً لبلدية نابلس لمدة أربع سنوات بعد عزل بسام الشكعة. ولكن ظافر المصري لم يعش سوى شهرين حين أُغتيل في أوائل شهر آذار عام 1986.

كل هذه الأسباب ساهمت في تقصير حياة حكومة السيد أحمد عبيدات. ولما استقالت الحكومة، عُرض علي العمل في شركتين كمدير عام، فقبلت بالوظيفتين لأنني كنت مديناً، ولم أملك سيارة خاصة بي. وقد كنت أكتب مقالات انتقد فيها سياسة حكومة دولة زيد الرفاعي، ما دفع وزير الاعلام المرحوم محمد الخطيب آنذاك إلى إعلام كل الصحف الأردنية بأن يمتنعوا عن نشر أي شيء لي. وفي نفس الوقت عرض علي دولته ان أكون سفيراً في اليابان أو ألمانيا، وترددت، وعرض علي ترشيحي لمنصب المدير عام لأسكوا في بغداد فلم أقبل، وأخيراً عرض علي أن أكون مديراً للمكت? العربي في ال (UNDP) بنيويورك، كأول أردني يشغل ذلك المنصب، فقبلت معتقداً أن الأمر طويل وربما لن يحدث. وفوجئت بعد يومين برسالة من مكتب الأمم المتحدة بعمان تطلب مني أن أسافر إلى ايطاليا لتوقيع عقد العمل مع المدير المالي للأمم المتحدة، وأعطوني أوراق شحن للأثاث والملابس التي كنت أرغب بإرسالها إلى نيويورك.

في مساء اليوم الذي تقرر فيه سفري فجراً في اليوم التالي، أُبلغت من مكتب الأمير الحسن أن أرافقه في محاضرة له آنذاك بكلية الحرب. وبعد المحاضرة أبلغني سموه أنه يريدني أن أكون رئيساً للجمعية العلمية الملكية. فقلتُ له أن مقومات الوظيفة لا تتوفر لدي، وأنني مسافر فجر اليوم التالي إلى روما لتوقيع عقد عمل مع الأمم المتحدة. فطلب مني تأجيل الرحلة حتى يبلغ صاحب الجلالة بذلك. وفي صباح اليوم التالي دُعيت إلى منزل الأمير الحسن حيث كان يتناول طعام الإفطار مع جلالته. وأُبلغت أنهما لا يوافقون على سفري، ولا على التحاقي بالعمل?في الأمم المتحدة، وأن أبقى في الأردن. وهكذا كان. وبعد أيام استدعاني سمو الأمير إلى الجمعية العلمية الملكية حيث تسلمت الرئاسة من الدكتور الفاضل فخر الدين الداغستاني، والذي استمر بالعمل مستشاراً فيها.

أمضيت في الجمعية سنتين ونصف السنة وكنتُ آخر ثلاثة أشهر منها أميناً عاماً للمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا. وقد ساهم في انشاء المجلس دولة الدكتور عدنان بدران، وصار أول أمين عام له لتصبح الجمعية واحدة من المؤسسات التابعة له، بدلاً من كونها مسجلة كجمعية خيرية عند انشائها عام 1970.

وفي منتصف عام 1988، اعددت مذكرة بخط اليد رفعتها إلى سمو الأمير الحسن ولي العهد آنذاك، أحذر فيها من احتمالية سقوط الدينار بعد عدة أشهر، وذلك من قراءتي لأرقام المخزون الاحتياطي من العملات الأجنبية، وملاحظتي أن البنك المركزي قد باع جزءاً من الذهب النقدي الموجود لديه، وبالنظر إلى حجم المديونية المتفاقم، وتراجع الودائع بالعملات الأجنبية لدى البنوك، وصلت إلى تلك النتيجة. وبالطبع كانت المذكرة مصدر قلق لسموه، فاطلع جلالة الحسين عليها، وتحدث جلالته مع دولة الرئيس زيد الرفاعي. وحصل اجتماع في قصر بسمان بحضور الملك وا?أمير والرئيس، واستدعيت متأخراً. ونُبهت ألا أعود للحديث عن الموضوع، ولكن الرئيس أبو سمير كان غاضباً مني. ودافعت عن نفسي حتى التمادي قائلاً » أنا الاقتصادي الوحيد بينكم، وأرجوكم أن تستمعوا لرأيي على الأقل». ورفض سموه قبول استقالتي التي رفعتها إليه لشعوري أنني صرت عبئاً عليه. وبعد سبعة أشهر دخل أحد المودعين إلى فرع أحد البنوك طالباً استرداد وديعته البالغة مليون دولار. فقيل له أن ليس لدى البنك ما يعطوه اياه. وجن الرجل وصار يصيح، وانتشرت القصة، وهبط الدينار حيال الدولار بنسبة 50%.

وكان أكثر بنك قد تعرض للتحدي هو بنك البتراء الذي انكشفت حساباته أمام البنوك الأجنبية، واضطر كما باقي البنوك إلى دفع نقدي بنسبة 100% عند فتح اي اعتماد. وصار أيامها الدكتور أحمد الجلبي رئيس مجلس ادارة البنك ومديره العام يدعي أنه يبيع دولارات لاسعاف السوق بالدولارات المطلوبة بالمئات، ويشتري بالمقابل آلاف الدولارات من السوق السوداء بأي سعر. ولما عمّت الفوضى قامت الحكومة باغلاق مكاتب الصرافة بحجة أنهم كانوا يساهمون في الفوضى النقدية في السوق. وبعد عدة أشهر، استقالت حكومة دولة زيد الرفاعي، وجاء بعده الشريف زيد ب? شاكر رئيساً للوزراء. وكلف دولة أحمد عبيدات باعداد الميثاق الوطني، واجريت انتخابات برلمانية عام 1989، وكلف دولة الاستاذ مضر بدران بتشكيل الحكومة.

بعد تشكيل الحكومة، وأداء القسم، هاتفني دولة الرئيس قائلاً أنه يريدني صباح اليوم التالي. وذهبت إليه مبكراً قبل وصول المهنئين. وقال لي أنه لم يأت بي كوزير لأنه يريدني أن أكون في لجنة إدارية معيّنة منه لادارة بنك البتراء وبنك الأردن والخليج الآيلين إلى الانهيار. وقال إن المحافظ الجديد والذي أعيد تعيينه الدكتور محمد سعيد النابلسي يثق بي. وقال لي أن معالي السيد وليد عصفور سيترأس اللجنة، وأنا سأكون مُساعده حتى اتفرغ للعمل المصرفي. وعُيّن المرحوم بسام عطاري مديراً عاماً، ومعالي محمد صالح الحوراني وسعادة وليد خيرا?له.. وغيرهم أعضاء في المجلس، والسيد سليمان حافظ مديراً مالياً. وأُبقي الدكتور أحمد الجلبي عضواً معيناً في اللجنة من أجل تزويد المعلومات.

وفي الجلسة الأولى طلبت من الدكتور الجلبي أن يعطينا كشفاً تفصيلياً عن كل ودائع البنك واستثماراته الخارجية. فوعد على مضض. ولما كانت الجلسة الثانية لم يحضر. واكتشفنا أنه غادر الأردن عبر سوريا، وأنه ربما لن يعود ولم يعد.