تعكف اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية على إجراء مراجعة شاملة للتشريعات ذات الصلة بتطوير الحياة السياسية بدءا بالدستور الأردني، مرورا بقانوني الانتخاب والأحزاب السياسية، مع تقديم مقترحات تتعلق بالإدارة المحلية وتعزيز دور المرأة والشباب في المشاركة السياسية. وقد بدأت ترشح عن اللجان المعنية تصورات عن شكل الإصلاح المنوي تقديمه إلى السلطة التشريعية صاحبة الولاية العامة في إقرار القوانين وتعديلها، حيث طلب جلالة الملك أن يتم إرسال كافة مشاريع القوانين المقترحة إلى مجلس الأمة مع بداية الدورة العادية الأولى له مطلع تشرين أول القادم.

وبصرف النظر عن جوهر هذه المقترحات التشريعية ومضمونها، فإنه من المؤكد أن عملية التحديث السياسي في الأردن ستكون متدرجة، بحيث سيتم إقرار نصوص وقواعد قانونية ليتم تطبيقها خلال السنوات القادمة وعلى مراحل. فالانتقال الكامل من الواقع السياسي الحالي إلى مرحلة جديدة كليا يخشى معه اتساع الهوة بين النص التشريعي من حيث النظرية والتطبيق.

إن ما يحمله جلالة الملك من فكر يتعلق بتحديث النظام السياسي الأردني قد عبّر عنه في رسالته إلى رئيس اللجنة الملكية. فهو يأمل بتأسيس مرحلة متقدمة في أسلوب ممارسة السلطة التنفيذية لمسؤولياتها، وإيجاد حياة حزبية فاعلة قادرة على إقناع الناخبين بطروحاتها، والوصول إلى برلمان قائم على الكتل والتيارات البرامجية.

إن الواقع الحزبي في الأردن وبشهادة القائمين عليه، قد شهد تراجعا ملحوظا في العقود الماضية، وذلك لأسباب تتشارك بها كل من الدولة بأجهزتها المختلفة والأحزاب السياسية نفسها. فالبيئة الحزبية لم تكن الأمثل في المجتمع الأردني، كما لم تقم الأحزاب السياسية بدورها في استقطاب الأردنيين واقناعهم بأنشطتها وبرامجها، وبأن لديها حلولا قابلة للتطبيق من شأنها أن تواجه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المواطن الأردني. فالأحزاب السياسية كان بإمكانها أن تقدم البديل لما صدر عن الحكومات المتعاقبة من سياسات وقرارات لم تكن كافية لمواجهة التحديات الوطنية المختلفة.

وانطلاقا من هذا التشخيص العقلاني للحياة الحزبية في الأردن، فإن تحقيق التطلعات الملكية بالوصول إلى برلمان يضم تيارات وأحزاب برامجية بحاجة إلى التدرج في تطبيقه. فنقطة البدء يجب أن تكون الزج بالأحزاب السياسية وإعادتها إلى المشهد الانتخابي، وذلك من خلال تخصيص مقاعد لها على مستوى الوطن، يتم زيادتها في المجالس النيابية المتلاحقة. فيتحقق الصالح العام في التغيير التدريجي للعقلية الانتخابية الحالية القائمة على تغليب الجهوية والإقليمية في اختيار المترشحين للانتخابات والتصويت لهم، إلى أسلوب المفاضلة بين البرامج الانتخابية المطروحة من الأحزاب السياسية. فتكون التجربة الأولى للمقاعد الحزبية الوطنية هو الدافع الذي سيجعل الناخب يعيد النظر في آلية التصويت واختيار المرشحين.

في المقابل، فإن المسؤولية ستتعاظم على الأحزاب السياسية الأردنية، التي سيصبح أمامها فرصة لكي تتمدد أفقيا في المجتمع المحلي، وأن تمارس دورها الذي أنشئت من أجل تحقيقه. وهذا يتطلب منها تقديم الصالح العام على المصالح الفردية الضيقة، فالعدد الحالي من الأحزاب المسجلة يعيق الحركة، ولا يحقق النتائج المرجوة من التحديث السياسي. بالتالي، فهذه دعوة لهذه المؤسسات الوطنية أن تضع أيديها مع بعضها البعض، وأن تتشارك في طموحاتها وغاياتها ضمن الأطر القانونية السليمة، بغية تحقيق رؤى وتطلعات جلالة الملك في تطبيق مفهوم الحكومة البرلمانية، باعتبارها الهدف الأسمى من الإصلاح السياسي والدستوري في الأردن، والتي لن تتحقق في ظل هذا الازدحام الوطني الحزبي.