في عام 2015، أعلنت منظمة اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) موقع المعمودية «المغطس» على لائحة التراث العالمي. وقد فرحنا كثيراً وقتها وزاد فخرنا بأردننا الغالي. إلاّ أن التأثر أيضاً قد نالنا حين أخفقت مدينة السلط الأردنية يومها، عن تحصيل ذلك الإدراج في ذات الوقت. قابلتُ بعدها رئيسة اليونسكو إيرينا بوكوفا على هامش مؤتمر في أبو ظبي، فقالت بأنّ النتيجة ليست أبدية، ويمكن بحسب القوانين والأنظمة التقدم مرة أخرى. وهكذا كان...

وقبل عامين، كان لي مشاركة في دار بلدية السلط، بندوة فكرية، برفقة الشاعر الراحل جريس سماوي، مع المهندس خالد الخشمان رئيس البلدية النشمي الذي اخبرنا وقتها بانّه سيقدم السلط من جديد للترشح كمدينة للوئام. لذلك لم أتفاجأ قبل أيام، حين تم الاعلان عن السلط مدرجة على لائحة المواقع التي تخص التراث العالمي، كمدينة للتسامح وأضيف إليها الضيافة الحضرية (وليس الحضارية) كما روّجت وسائل إعلام عديدة.

أمّا التسامح فهو انعكاس للواقع الجميل والموقع الهام الذي تمتعت به السلط على مدار السنوات. فهنالك تآلف فطري بين السكان وبالأخص بين المسلمين والمسيحيين، ويشهد على ذلك العديد من الأشخاص الذين سكنوا السلط قديماً وكانوا–وما يزالون–يرون فيها صورة مصغرة عن الأردن الكبير الحاضن لكل من فيه بفرح وتآخ. أن التسامح هو فعل حياة قبل أن يكون مؤتمرات وندوات فكرية، وهو تآلف اجتماعي واحترام ديني الواحد للآخر، وهو كذلك عمل تربوي يتمثل بأن يجلس الطالب إلى جوار أخيه في الانسانية والوطن والهموم والآمال. وفي السلط انشئت أول مدرسة للبطريركية اللاتينية عام 1870 وما زالت إلى اليوم تقدّم خدماتها بعيداً عن الصفة التجارية، وبحفاظ كامل على كونها واحة حوار وانسجام. والتسامح طبعا هو مدرسة هاشمية نحتفل بمئويتها السعيدة، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وهو المعروف بكل أرجاء الارض، فارسا من فرسان التسامح والاعتدال والوئام.

أما صفة الضيافة الحضرية، فلكون السلط كانت تستقبل التجار من مختلف الأقطار المجاورة، كما ذكر ذلك بيان منظمة اليونسكو، وانشئت الدواوين الفكرية التي استطاعت جمع المسلمين والمسيحيين معاً من جهة، ومن جهة أخرى استقبال الوفود القادمة من الخارج وتقديم (تضييف) ما يسرُّ الضيوف والزائرين.

هنيئاً للأردن هذا الانجاز الجديد، فقد صار لدينا ستة مواقع مدرجة على لائحة التراث الانساني العالمي، وهي: السلط، البتراء، قُصير عمرة، أم الرصاص، محمية وادي رم الطبيعية، المغطس. وبامكاننا بالطبع تقديم المزيد من الملفات في المستقبل، وكلّ ذلك يجعلنا مدعوين إلى زيارة هذه الأماكن والتعرف عليها عن كثب، وتصدير الصورة الحضارية عن الأردن للخارج، والتركيز قبل تقديم المعلومات عن الحجر والآثار، اظهار الصورة الواقعية عن الانسان الأردني المتسامح مع القريب والمضياف في فطرته وعاداته وتقاليده النبيلة. وانّني لمتأكد بأنّ كلّ مدينة أردنية، من الشمال الى الجنوب، بامكانها أن تكون - وأن يتم اعلانها - مثل شقيقتها السلط مدينة للتسامح ومنارة للعالم في مجال التعاون بين أتباع الأديان.

Abouna.org@gmail.com