منذ مدة والعديد من خبراء التربية ينتقدون هيمنة أسلوب التلقين، ويدعون إلى تبنّي أساليب تعليم وتعلم أكثر ملاءمة لحاجات المتعلم ومتطلبات العصر.

والحق يقال إن تغييرات مهمة حصلت وتحصل على عدة أبعاد نتيجة لهذه الدعوات ونتيجة لجهود القائمين على التعليم عبر أكثر من عقدين.

ومع ذلك، فما زال أسلوب حفظ المعلومة وترديدها عن ظهر قلب مهيمناً؛ وهذه الهيمنة غير محمودة لعدة أسباب.

من أهمها أن تمرير المعلومة للطالب لم يعد الهدف الأساس، أو حتى هدفاً رئيساً، لأن المعلومة أصبحت متوافرة بكثرة من خلال عدة وسائل، والتي هي أغنى وأيسر وأسرع في عصر الإنترنت؛ بعكس الوضع قبل عقود عندما كان المدرّس والكتاب أهم مصدرين للمعلومة.

ومن أهمها أن إعطاء الطالب المعلومة جاهزة ومغلّفة هو أسلوب يلغي دور المتعلم الفاعل ويجعل منه متلق سلبياً، ويحرمه من مهارة السعي للحصول على المعلومة والتعامل معها. بمعنى آخر مهارة الاعتماد على الذات في التعلم، أو ما يعرف بمهارة التعلم الذاتي، أهم بكثير من تلقي الطالب المعلومة من الغير دون بذل جهد يذكر من طرفه، سوى عبء تلقيها وحملها، على مبدأ: «لا تُعطني سمكاً، بل علمني كيف أصطاد."

وهنالك أبعاد أخرى غير محمودة لا مجال للخوض فيها.

لكن أخطر ما في اتباع أسلوب التلقين أنه يكون على حساب التفكير، بمهاراته الفرعية المتعددة.

المتعلم المعتاد على تلقي المعلومة والمعتمد على الآخرين، لا على نفسه، يصاب بالخمول أو الكسل الذهني، وتتعطل لديه عملية تنمية ملكات عقلية عديدة، ومن أهمها الملكات العقلية العليا، فينجم عن ذلك ما يمكن تسميته بالفاقد الذهني الكبير.

وإذا حصل ذلك فيُقتل حب العلم والمعرفة عند المتعلم، ويموت الشغف، ويصبح المتعلم كالببغاء التي تردد معلومات محدودة غير مترابطة وغير مُوظفة على نحو فاعل، ينسى المتعلم معظمها مع مرور الزمن. وصدق المثل القائل: «أسمعُ فأنسى؛ أشاهدُ فأتذكر؛ وأفعلُ فأعي."

لكن أخطر ما في التلقين – في تقديرنا – هو خلق الانطباع أو الإدراك لدى المتعلم أن ما يتلقاه من معلومات هي كلّها مسلّمات وحقائق وأنه لا يستطيع فحصها أو تمحيصها أو تحليلها أو نقاشها، وأن المطلوب هو أخذها على علاتها.

وهنا مشكلة كبرى، لأن الكثير مما يُقدّم للمتعلم قد يكون آراءً ووجهات نظر، وحتى افتراضات، وأحياناً معلومات مغلوطة، وبالذات في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التي قد تكون منحازة لرأي ما ضد رأي آخر، أو تُروّج لفكرة لا لأنها حقيقة بل لأنها تنسجم مع توجهاتها.

هنالك حقائق ثابتة لا شك لا بد للمتعلم من وعيها، لكن الكثير في عالم اليوم يندرج تحت الرأي والرأي الآخر، ومن الخطورة بمكان أن يظن المتعلم أن كل ما يقدم له هو من باب الحقائق التي لا يُشق لها غبار، وتكون النتيجة الطبيعية لذلك الانغلاق والتزمت والتعصب، الأمر الذي نشهده اليوم في العديد من الشرائح المجتمعية.

التلقين قضية تربوية بامتياز، ذات أبعاد مجتمعية خطيرة، لا بد من التعامل معها بفاعلية واحتراف.