الطيب خالدي (باحث جزائري)

النصوص التي تجمعنا على طاولة واحدة، وتتقاسم معنا أسرارها، وتفتح لنا أبوابها لمعرفة دواخلها، تجعلنا نقيم على ضفافها وننتهي إلى معرفة دواخلنا. إننا نحرص عليها حتى نجعلها كتلة سردية صالحة للاستعمال ومؤدّية لوظيفتها في إطار رحلتنا صوب الداخل، ذلك أن البلاغة تحتاج إلى الاستماع حتى يتجلى عمق الكلام وتخرج إلى الضوء فصاحة الأحاديث. ولأنها ترفض وجود النصوص خارج فضاء الأحداث، فهي تنتهي بالنص والحدث إلى أن يكونا وجهتين لعملة واحدة.

يَستوقفنا في هذا المقام الحديث عن «ضمير المتكلم» لفيصل الأحمر (دار ميم للنشر، الجزائر، 2021)، وهو عمل أدبي نعدّه محطة سردية أو خطابية مهمة رسمت ملامح المجتمع الجزائري، وشكلت أحداثه، ونظمت مواعيده على لسان الضمائر التي اختارت طريقة السرد في عرض مهرجان الأحداث، واستغلت مسار المجتمع الذي أرهقته الظروف التي كانت ميلادا لسلسلة من الاعتمالات المتتالية والموازية لخطابات وقعت تحت ثقل الهيمنة، فجعلت المشروع الجزائري يُسرَد على لسان الضمائر، ويُحكى بطرق متنوعة، ليصبح النص بعدها كتلة خطابية حيّة يشارك في تفعيل الأحدا?، أو يبحث عن نصوص أخرى يتقاسم معها الذكريات ويجعلها جزءاً من سكان عالمه.

لذلك، ستكون هذه النصوص على صلة وثيقة بالضمائر التي اعتادت العيش داخل جمهورية لا تبالي بسكانها ولا تهمها الأحاديث بقدر ما تريد معرفة تفاصيل الأحداث وبلاغة المتحدثين.

سندخل إحدى قرى الرواية، ونحاول معرفة سكانها وأفرادها الذين يشكلون منظومة مجتمعية تريد الحكي لها مصيرا، أو تزعم بأن السكوت يضرّ بالجالية اللاحقة، أو السلالة الحاملة للفصيلة الخطابية نفسها، علما أن هذه الشخصيات تتقاسم مسار التنقل الكلامي، وتبحث عن سبل أخرى لإلقاء التحية على سكان الجوار الجدد الذين جمعهم الحديث وفرقتهم الحكايات، إلا أن الرواية كجسد واحد قد جعلتهم كتلة واحدة داخل مشروع نصّي متعدد الأطياف، مفعم بالتجريب والتجديد والتلاعب بالقوانين المتفق عليها لسرد الحكايات.

متأمل سكان الرواية وأفرادها الذين ينتمون إلى جالية جزائرية/ عربية/ عالم-ثالثية/ ما بعد استعارية بامتياز، سيجدهم بالضرورة منتمين إلى شجرة واحدة أصلها متجذر في أعماق النصوص، وفرعها يحاول إثبات جدارته في فضاء الحكي. ستكون هذه النصوص ذات الطابع الاعترافي المعتملة والفاعلة إراديا ولا إراديا مع ضمير المتكلم بنيةً جذمورية حريصة على تماهي عناصرها مع سكان الجوار السردي. هي نصوص حيّة تبحث في الجوار عن نظيراتها من الحكايات التي تشاركها الأحداث، أو تتقاسم معها الحكايات حتى تستأنس بها، أو تجعلها على شاكلة أطياف موسيقية?لا تعزف على إيقاع واحد، بل تُغَنَّى على أوتار عدة وسط هارمونيا لا نشاز فيها رغم تباين الإيقاعات والمدارج الموسيقية. وكل ذلك حتى تُؤَدى بطرق متنوعة بالقدر الكافي لكي تفتح المجال للسامع، وتُقَرّبُ النظر إلى القارئ فتتسنى له رؤية العالم كما يريد، من منطلق أنه لا يوجد شيء خارج النص كما قال ديردا.

يحدث كل هذا في كنف قراءة طباقية (contrapuntal reading) أرادها صديقي الذي أقمت معه حديثا مطولا عن الضمائر التي تراهن بوجودها وتتحدث على الموائد المهيمنة على أنظمة الحكي، فهو يرى أن النصوص التي يبحث عنها «ضمير المتكلم» ليتقاسم معها الأحداث، نصوص شجاعة وغير أبهة بمآلات الحقيقة، وهي غالبا ما تكون موجودة في بطون كتب التاريخ والكتب المقدسة. إنها نصوص يحتاج إخراجها من هيمنة «ضمير الغائب» إلى قراءة وإعادة قراءة وإلى فصول عسيرة من التأويل.

نعود مجددا إلى هذه الشجرة النصية الكثيفة التي تتداخل فيها الشخصيات وتتعدد الأصوات، ولكُلٍّ رَغبتُهُ في الحديث وإثبات وجوده في عالم السرد أو عالم المعنى.

وفي ما يتصل بالمسألة السردية في هذا العمل الروائي، يبدو أن الأصوات تختلف لسبب ما، وتتعدد السرود ليبقى السارد العليم محورا متحركا بين مدارج العلم بأروقة السرد ودهاليزه في هذه الرواية. السارد العليم في تصور جيرار جينيت هو دائما بؤرة المفارقات السردية؛ فهو يحمل كل ملامح المعرفة، ويرى كل الحيثيات، ويدور في عالم تتعدد أبعاد زواياه.

السارد العليم في هذه الكتلة النصّية يلبس أقنعة متعددة، ويلعب أدوارا مختلفة في ساحة الخطاب، فيصنع آفاقا مبنية على أحاديث أثبتت وجودها في عمق المنظومة المجتمعية. إنه سارد يحكي تفاصيل الأحداث لجمهور يريد الإصغاء إلى كلامه، ويصنع منظومة موازية مبنية على الحديث المكثف.

تتبع الذات الساردة الحكاية بتفاصيلها الخارجية، لهذا نجدها تصافح السارد العليم أو تنطرح أمامه، فتجعله محركا أساسيا في العملية السردية لعلمه بكل شيء، ولا يفعل أيّ شيء قبل أن تتكلم الشخصيات (وهي ساردة جزئية العلم بحسب ما نراه من شهاداتها حول الأجزاء التي عاشتها من الحكاية الكاملة الكلية)، فهو سارد استحوذ على المنظومة النصّية بسلبية غريبة في نهاية الأمر. لقد أثار جمهورَ الرواية، لكنه في المقابل قد يظهر على صفحات الرواية ساردا لا يعلم أي شيء، بل ينصت إلى الأصوات الأخرى التي تقدم الكلام على موائد المعرفة المنقوص?.. يقول أحدهم: «أحيانا يا الشيخ تشعر بأنك تعرف الناس جيّدا ثم تتفاجأ بهم وهو يُظهرون لك وجها جديدا غير متوقع تماما.. حميد الذي كان صاحب المحل، كان ابن أخت أحد أقوى الرجال في جزائر الثمانينات» (ص19).

ربما نلاحظ هذا التّغير في صوت السارد العليم الذي يلعب أدوارا متعددة ويظهر في المرايا النصية بأشكال اعتباطية، فأحيانا يبدو عليما بكل شيء فيصنع الحدث بدل الأصوات الأخرى، ويراهن على جودة النص وفاعلية الخطاب، فيحدث حركية داخل المقام النصي، ويصنع الفارق بينه وبين الأصوات الأخرى. غير أنه في مواضع أخرى. وخاصة في قلب الرواية، يبدو شخصية ثانوية أو صوتا لاحقا يتحدث قليلا وينصت كثيرا، وبالتالي يخرج من كونه قائدا للعملية السردية إلى مسيّر للأحداث الروائية. في بعض منعرجات النص، يقول أحد أبطال الرواية: «عشرون عامًا من ا?سؤال نفسه، من المنتصر يا ترى؟. وحده الوقت ينتصر في النهاية. لا منتصر إلا الوقت. الوقت أبونا الذي في السماء... والأرض. عدنا إلى ذلك المكان الذي شهد لقاءنا الذي ظنناه أبديا.. ولكن أشياء كثيرة لم تستطع أن تعود معنا، الأماكن تتسرب عبر الزمن أيضا يا الشيخ، القلب يسير إلى مستقر له» (ص97).

وفي سياقات أخرى، يبدو كأنه صوتٌ هامشيٌ يظهر ثم يختفي، وبالتالي يسقط القناع ويتيح الفرصة لذوات أخرى تسُوق الخطابات. ها هو ذا أحد الأبطال يقول يما يشبه الإضفاء الآتي من خارج الرواية والذاهب إلى مستمعٍ كونيّ قد يسكن داخل الراوية وقد يكون في أي مكان آخر من الملكوت حيث يكون هنالك أثر للبشر ولو كان الذكرى أو الكتابة (فلا شيء موجود خارج النص): «أذكر كل شيء بتفاصيل مرعبة. لا أذكر أنني كنت مخطئا ولو مرة واحدة. أذكر أنني كنت أحاسب نفسي كثيرا لتجنب الوقوع المخزي في الخطأ. وأذكر أنني كنت أعي بعد فوات الأوان بأنني قد ق?ت بخطأ فادح، ولكنني كنت أعيش قبل إدراك الأمر أريحية كثيرة جدا» (ص241).

المقامات التي سار عليها السارد في أجزاء الرواية جعلته يبني لنا مملكة نصّية تراهن على تعدد الوجوه الساردة، وهي التي تظهر بين النصوص في الحقيقة حاملةً ثيمة الخطابات وتعرجاتها؛ ديدنها في ذلك ديدن النصوص المعاصرة التي ترفض الح افظة على نمط معيّن من الكتابة أو نسق روائي موحد.

لذلك نجد ضمير المتكلم كأنها مجموعة صوتية غريبة الأطوار؛ كأن هنالك مائة عازف يقفون صفّا واحدا يظهر الأول (ربما هو الشيخ؛ قائد الأوركسترا)، ويختفي خلفه الآخرون.

إنه نص متعددة السرود، متشعب السبل، في بنية تعمل على جعل المقام النصي يظهر بألوان متجددة وبلوحات تقبل مزاج القراء، فتصنع معهم ومن خلالهم الحدث، وتتقاسم معهم (ومن خلال كل ذلك) الأحاديث.