عبدالله آل الحصان (كاتب أردني)

منذ نحو 40 يوماً غادرنا «أبو خالد» بصمت ودون ضجيج حاله حال المبدعين حينما يرحلون يرحلون بصمت، رحل شامخاً كنخيل معان، رحل عنا ولم تغب ابتسامته، وضربة قدمه في «دبكات التقطيع» التي أنبتت إرثاً كـ"قرايص» معان، وتنظيمه لدبكة «التسعاوية المعانية» في حركات تلامس الشروق والغروب، ومناوراته في «السحجة المعانية» مع الشباب لتحفيزهم على حفظ تراثهم غير المادي، وكانت «الدلعونا» معه كأنها إحدى المعلقات العشر في غزل عذري.

"أبو خالد» هذا الفنان الشعبي والشخصية المحبوبة عند الجميع، تتجلى حركاته وخفة دمه كلما ازدادت حماسة المشاركين في الدبكة، فقد اقترن اسمه مع فرقة معان للفنون الشعبية، و رغم أنه كان يعاني من زيادة في الوزن إلا أن مرونة جسده ورشاقة حركاته جعلتاه يخطف الأنظار أينما كان، وبات من المشاهير الذين يلتف حولهم المعجبين في أي مكان، حتى نال شهرةً واسعةً على مستوى الأردن وعدد كبير من الدول العربية، كيف لا وهو المميز بخفة الدم والتجاوب مع الإيقاع واللحن الموسيقي وكذلك إتقانه لجميع أنواع الأغاني والرقصات الشعبية والدبكة وهذا لا يجيده إلا القلة القليلة، ما جعله أيقونة التراث الأردني.

وقد تأسست الفرقة عام 1981 في مركز شباب معان من قبل عدد من المهتمين بالتراث الشعبي في معان، وهم: عبدالرحمن الخطيب (أبو خالد)، يوسف شكري دنكجيان، عباس حسين أبو جري، محمد أحمد قريشة، هاني عبدالحميد الخطيب، عدنان عبدالرؤوف أبو كركي، مأمون محمد داوود رشيد القرامسة، توفيق جدعان العقايلة، محمود حسين أبو جري، نصار محمد الخطيب، هشام مزهر أبو درويش، هاشم لافي كريشان، سعيد عبدالقادر السعايدة، عقلة جدوع الفناطسة، حسين هارون عليان، بسام حسين أبو جري، نصري علي كريشان، عوض محمد كريشان، وغيرهم.

قدمت هذه الفرقة عروضاً فنيةً فلكلوريةً في مهرجانات واحتفالات متعددة محلية وعربية وعالمية، وتميزت هذه الفرقة بارتدائها لباساً موحداً ومميزاً يمثل صفاء قلوبهم متأثرين بزي الفارس المعاني الأردني الذي كان يرتديه في الحروب قديماً، وكان «أبو خالد» قائدَ الدبكة الشعبية (اللويح) لهذه المجموعة، واللويح هو القائد الميداني الذي يقود المجموعة ويعمل على توحيد الحركة والصوت، واللحن والسرعة، وهو كذلك الذي يختار المكان المناسب للدخول والخروج، ناهيك عن كونه يمتلك الفطنة وسرعة البديهة في أداء الفقرة المناسبة للحدث وكيفية تف?عل الجمهور مع العرض.

ومن لا يعرف عن «أبو خالد» غير ما سبق ذكره فهذا أمر طبيعي، ولكننا في معان وبحكم معرفتنا الشخصية به نعلم بأنه كان من رواد المساجد، وأحد رجالات عشيرة الفناطسة، وكانت الناس تعتمد عليه، ولعل هذه الصفات وغيرها جعلت الناس تلتجئ إليه -وخاصةً في التسعينات من القرن الماضي- لحل المشاكل والتدخل في مظلمة وقعت عليهم، فصار قريباً عند الناس يودونه ويحبونه فيذهبون إليه ويطلبونه «الفزعة» فيلبي النداء ويذهب معهم إلى أي مكان في الأردن، فيلقى ترحيباً كبيراً من الجميع، وهكذا مرت الأيام فكان «أبو خالد» يساهم في تلبية مطالب الناس?وحل مشكلاتهم الشخصية والوظيفية وتقديم العون والمساعدة لمن لا يستطيع وحتى في القطاع الصحي من خلال المطالبة بالإعفاءات الطبية لهم.

اتصف «أبو خالد» بالأخلاق الحميدة والبساطة، رجل موصوف بالشجاعة والجراءة، وهو من أوائل الذين طالبوا بتأسيس جامعة الحسين بن طلال في معان، فكان يستغل الاحتفالات التي كانت تقام برعاية ملكية، متحدثاً بعفوية مع المغفور له الملك الحسين عن مطالب أبناء معان ومنها إنشاء جامعة رسمية في معان كمطلب شعبي، فهو صاحب معرفة ودراية يمتلك تأثير كبير.

كان «أبو خالد» بطلاً شعبياً عند أبناء المجتمع الأردني، وسفيراً للفلكلور الأردني ورمزاً له، تختاره المجلات والصحف العربية والأجنبية لتتحدث عنه، ومع ذلك كله لم يحظَ بتكريم رسمي عالي المستوى، رغم تكريمه من قبل الهيئات الثقافية والفنية في أرجاء الأردن وفي المهرجانات العربية والعالمية التي كان فيها «أبو خالد» ممثلاً للأردن.

عذراً «أبو خالد»، فهذا الشاعر الفلسطيني الكبير «محمود درويش»، الذي كُرم قبل وفاته بأشهر قليلة بإطلاق اسمه على أهم ميادين مدينة رام الله، فقال حينها: «ليس من المألوف أن يكرَّم الأحياء، فالموتى لا يحضرون حفل تأبينهم، وما استمعت إليه اليوم هو أفضل تأبين أود أن أسمعه فيما بعد».

رحمة الله عليك يـ"أبو خالد».سنفتقدك كثيراً، ولكننا لن ننساك ستبقى حياً في قلوبنا، وسيبقى مكانك خالي بيننا.

ويبقى السؤال الدائم:

هل تكريم المبدع بعد موته هو تكريمٌ فاقد للمعنى أم استدراكٌ متأخر؟.