رغم ما سمعناه من الملك مباشرة من إثلاج لصدر المستقبل، فإن أصداء المقابلة التلفزيونية التي أجراها الملك عبدالله الثاني لشبكة «سي ان ان» الأميركية، وأجاب فيها عن سؤال على هامش قضية الفتنة، بجملة تختصر البحث الدائم عن سقف السلطة التي يحكم بها الملك ومن أين يستمدها، وأكثر من ذلك عن السؤال المتكرر: هل هناك سلطة مطلقة أم هناك إطار ينظم علاقة الملك بالعائلة المالكة أو بالدستور والقانون وبقية السلطات الناظمة والعاملة على إدارة الدولة، إذ كانت إجابة جلالة الملك: أن السلطة السياسية هي بيد الملك في غالبية الأنظمة الملكية، ومع ما تتمع به الأسرة الحاكمة من مزايا فإن هناك محددات لا تسمح بتجاوزها.

ورغم القوانين الدولية التي تمنح الملوك والرؤساء حصانة ومكانة قوية، فإن المادة 30 من الدستور تنص على أن «الملك هو رأس الدولة وهو مصون من كل تبعة أو مسؤولية»، و المادة 32 «الملك هو القائد الأعلى للقوات البرية والبحرية والجوية» تليهما المادة 33 الفقرة 1 الناصّة على أن «الملك هو الذي يعلن الحرب ويعقد الصلح ويبرم المعاهدات والاتفاقات» ومع ذلك تنص الفقرة 2 على ما يلي: «المعاهدات والاتفاقات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئا من النفقات او مساس في حقوق الأردنيين العامة او الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة، ولا يجوز في أي حال أن تكون الشروط السرية في معاهدة أو اتفاق ما مناقضة للشروط العلنية.

الدستور أيضا كما يعرف الجميع، يعطي الحق للملك بتعيين من يريد في الأسرة المالكة كولي للعهد ضمن المادة 40 من الدستور، والمرادفة للفقرة أ من المادة 28 من الدستور التي تنص على «تنتقل ولاية الملك من صاحب العرش الى أكبر ابنائه سناً ثم الى أكبر أبناء ذلك الإبن الأكبر»، وهنا بالطبع تتوضح الصورة الأكبر للوضع السيادي لأي من أعضاء الأسرة المالكة التي أعطى الدستور حقاً للملك فيها بمنح أو منع أو إلغاء أي صفة أو امتياز أو دور لأي من أفراد العائلة باستثاء الإبن الأكبر كونه ولياً للعهد إلا في حالة عدم الأهلية ضمن الفقرة الدستورية ولا تحرم ذريته من حقوق التنصيب شرط الكفاءة.

السؤال على بساطته كان مسمارا تجاوز ظهر المقعد، ولكن الإجابة الفطنة من الملك أزاحت الستار عن المسكوت عليه ضمن معلومة لم يكن الكثير من الناس يدركها، أن هناك حدودا لا يمكن تجاوزها لغايات خاصة أو عامة بعيدا عن القانون أو المقتضى الدستوري حتى وإن كان المقصود أحد أفراد العائلة دون الملك، وحتى الملك نفسه قد وضع ذلك المحدد للملوك أنفسهم بناءً على نصوص الدستور التي تعالج بعض القضايا المؤطرة دستوريا، كالمعاهدات الدولية النافذة، وحتى تنفيذ صلاحيات الملك تكون بتوقيع رئيس الوزراء والوزراء المختصين أولا ثم يبدي الملك موافقته فوق تواقيعهم حسب المادة 40 من الدستور.

في تاريخ العائلة الهاشمية التي يعالجها قانون العائلة 1937، برزت بعض القضايا التي تم التوافق عليها مسبقا، فعند استشهاد الملك عبدالله الأول، كان الأمير طلال ولي العهد يتلقى العلاج في سويسرا، ولغايات سد الفراع الدستوري عين مجلس الوصاية شقيقه الأمير علي مؤقتاً حتى عودة الأمير طلال، الملك لاحقا، وتأخرت مراسم الدفن حتى حضر الملك طلال» الإبن الأكبر» ثم تسلم العرش حينها لسنة، ونتيجة مرضه اعتزل الحكم وتولى مجلس الوصاية الحكم لحين بلوغ الملك الحسين السن القانوني، وبعدها عين الحسين شقيقه الأمير محمد وليا للعهد لعشر سنوات ثم الأميرعبدالله لسنتين، قبل أن يعين الأمير الحسن وليا للعهد حتى اختار جلالة الملك عبدالله الثاني دستوريا وليا للعهد وملكا فيما بعد، وكل ذلك ضمن نص وروح الدستور.

الملك في رحلته الأخيرة الى الولايات المتحدة رافقه ولي العهد الأمير حسين ضمن الزيارة غير الرسمية، وحسب المصادر المؤكدة فإن الملك وهو الأعرف بالبروتوكول الرسمي للبيت الأبيض لم يكن بحسبانه مشاركة ولي العهد بالإجتماعات الرسمية، ولكن الرئيس بايدن أصر على حضور الأمير الحسين لقاعة الرؤساء، وشاهد الجميع إشادات بايدن عن الأمير والذي استقبله في منزله مرارا في سنوات دراسته بالولايات المتحدة، فضلا عن العلاقة المميزة مع الملك منذ سنين طويلة.

لهذا رأينا كيف عاد الأردن لوضعه الطبيعي كمفتاح لإدارة السياسة الخارجية في الشرق الأوسط، وقفز الملك عن كل منغصات السياسة الخارجية والداخلية، ولسان حاله يقول سنبقى نحن الكبار وإخوة للجميع وقوتنا نستمهدها من شعبنا رغم العتب أحيانا لمن يعرفنا وينكر علينا دورنا التاريخي وها نحن نبدأ مرحلة عطاء لإقليمنا العربي ومُلكنا باق بإذن الله.

Royal430@hotmail.com