لتبرير عجزهم وقصورهم، يزور حزبيون في بلدنا جزءا مهما من تاريخنا الوطني، بزعمهم أن هناك عداء تاريخيا واضطهادا للأحزاب والحزبين مارسته الدولة الأردنية، وانعكس على الثقافة الشعبية تجاه الأحزاب، مما أدى إلى عزوف الناس عنها ومن ثم ضعفها، وهذا زعم تكذبه الوقائع والحقائق على الأرض.

أول هذه الحقائق التي تكذب هذه المزاعم أن الأحزاب كانت شريكا أساسيا في الحياة السياسية والحكومات الأردنية منذ تأسيس الدولة الأردنية، فأول حكومة أردنية كانت حكومة حزبية ترأسها حزبي هو رشيد طليع رئيس حزب الاستقلال، الذي كان الكثير من الأردنيين قد انخرطوا في عضويته، وخلال سنوات قليلة من عمر الدولة الأردنية تأسس عدد من الأحزاب التي لعبت دورا مهما في الحياة السياسية الأردنية.

ففي عام 1927 تأسس حزب الشعب الذي كان أول حزب أردني يدعو إلى تكوين مجلس نيابي منتخب وحكومة مسؤولة أمامه، كما كان من الداعين إلى عقد المؤتمر الوطني الأول عام 1928، لمناهضة المعاهدة الأردنية البريطانية، حيث أعلن المؤتمر ميثاقا وطنيا، تضمن المبادئ، التي تطالب بالاستقلال التام للأردن، والرفض القاطع للمعاهدة البريطانية، وفي عام 1929 تأسس حزب اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني، بهدف تنفيذ مبادئ الميثاق الوطني، وقد تواصل تأسيس الأحزاب السياسية الأردنية فجاء حزب التضامن الأردني 1933، وحزب الإخاء الأردني عام 1937 والحزب القومي الاجتماعي عام 1938. ثم الإخوان المسلمين عام 1946 ثم الحزب العربي الأردني/ الجبهة الوطنية 1946، وحزب الشعب الأردني1947، والحزب الشيوعي الأردني 1951 وحزب التحرير 1952 وحركة القوميين العرب 1952، ثم الحزب الوطني الاشتراكي عام 1954 وجاء حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1955. وفي عام 1956 صدر أول قانون للأحزاب في الاردن.

وطوال هذه الفترة من عمر الدولة الأردنية، لايستطيع إلا جاحد أن ينكر أن الأحزاب السياسية كانت شريكا فاعلا في الحياة السياسية الأردنية والكثير من الحكومات الأردنية وتشكيلها، وقد امتدت هذه الفترة طوال الثلاثة عقود ونصف العقد من عمر الدولة الأردنية، حتى انقلبت هذه الأحزاب على الدولة عندما رهنت إرادتها لدول أخرى، ومذكرات قادة ورموز هذه الأحزاب تقر بصيغ مختلفة بهذه الحقيقة، التي اضطرت بسببها الدولة عام 1957 إلى حظر النشاط الحزبي، وهو الحظر الذي استمر حتى عام 1989، عندما تم استئناف الحياة الديمقراطية، ورفع الحظر عن النشاط الحزبي العلني.

أردت من هذا الاستعراض التاريخي أن أقول: إنه على امتداد مئة عام من عمر الدولة الأردنية الحديثة تمتعت الأحزاب الأردنية بحرية حركة وغطاء قانوني مدتهما اثنان وسبعون عاما، بينما كانت مدة الحظر القانوني أقل من ذلك بكثير.

لقد مر على رفع الحظر القانوني عن النشاط الحزبي حتى الآن ثلاثة عقود ونيف، ومع ذلك لم تتمكن الأحزاب من كسب ثقة الأردنيين، لأنها لم تقدم لهم حتى اللحظة برامج مقنعة قابلة للتطبيق، لأن هذه الأحزاب في أحسن الأحوال مشغولة باللطم على تاريخها الذي ضاع، أو معالجة انشقاقاتها على أسس فردية، حتى لا نقول إنها مفلسة.