سجل معدل النمو الاقتصادي ارتفاعا محدودا في الربع الأول من العام الحالي حيث بلغ 0.3% مقارنة بالربع الأول من العام 2020 والذي بلغ معدل النمو فيه 1.3% وتجدر الإشارة في هذا المقام الى ان أداء الاقتصاد الأردني كان قد شهد تراجعا في الارباع الثلاثة التالية من العام 2020 ليسجل النمو الاقتصادي فيه تراجعا بمقدار 5% تقريبا. وفي سبيل قراءة الأرقام وأداء النمو الاقتصادي للربع الأول من العام الحالي، لا بد من الإشارة صراحة الى اننا نقارن أداء الاقتصاد في الربع الأول من العام الحالي مقارنة مع أداء الربع الأول من العام 2020 والذي لم يشهد فيه الأردن الا حالة واحدة لوباء كورونا وكان الأداء الاقتصادي في ملامحه طبيعيا او حسب ماهو متوقع في ظل ظروف اعتيادية، لا بل كان متوقعا للصادرات في ذلك الربع والارباع التي تلته بأن تحقق نموا مميزا يرفع بدوره معدلات النمو الاقتصادي، حيث بلغ نمو الصادرات خلال الأشهر الثلاث الأولى5.5% من العام الحالي وكان هذا من اعلى المعدلات المتوقعة.

وعوده الى ما حققه الاقتصاد الأردني في الربع الأول من العام الحالي من نمو بحدود 0.3% فإن هذا الأداء–وأن كان متواضعا في قيمة النمو المتحقق وممكن ان يكون إيجابا كونه تحقق في فترة اقل من سنة من الجائحة–فإنه يستحق الدراسة والتحليل للأركان والقطاعات التي ساعدت وادت الى تحقيق هذا الأداء الإيجابي في الاقتصاد والذي يشكل في مضمونه بداية المسير نحو تعافي افضل وبصورة ادق كما ويستدعي هذا الأداء الإيجابي قراءته بنوع من التفاصيل على مستوى القطاعات حتى نتمكن من رسم صورة أفضل عن أداء بعض القطاعات الفرعية ومساهمتها في النمو الاقتصادي. بالنظر الى الأرقام المجردة وصل اجمالي الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة في الربع الأول من العام الحالي الى 7 مليارات دينار مقارنة مع حوالي 6.98 مليار دينار خلال الربع الأول من العام 2020، أي بزيادة مقدارها يتجاوز قليلا ـ20 مليون دينار، لكن من اين جاء هذا النمو المتواضع، والذي على الرغم من تواضعه كما اشرنا الا انه يحمل في طياته الكثير من المؤشرات الإيجابية، وما من شك بأن هناك محركات قادت الى السير نحو هذه الإيجابية في النمو، وهذا بدوره يستدعي التعرف على القطاعات التي كانت وما زالت تمتلك القدرات والامكانيات مما مكنها من المساهمة والسير بالاقتصاد والوطن نحو اتجاهات نمو إيجابية، وذلك لدراسة الإمكانيات والقدرات التنافسية لهذه القطاعات التي قادت النمو في مثل هذه الظروف، والتي تمثل محركات تحقيق الأداء الاقتصادي الايجابي وتستدعي التركيز عليها وتمكينها بشتى الطرق.

فقد شكلت قطاعات الصناعات الاستخراجية وقطاع المالية والتأمين وخدمات الاعمال والقطاع الزراعي محركات للنمو الأمر الذي انعكس على الأداء المميز والواضح في النمو المتحقق خلال الربع الاول وأدت الى تحقيق نمو إيجابي على الرغم من تواضعه الا انه لا بد من التأكيد على انه مقارنة مع وضع كان يخلو من احداث كورونا وتبعاتها في الربع الذي يقابله من العام 2020، يبدو جليا انه لولا أداء هذه القطاعات ما كان الاقتصاد الأردني ليحقق نموا إيجابيا في الربع الأول من العام الحالي، وهذا بالتالي يستدعي دراسة النمو المتحقق من خلالها واسبابه ودوافعه للبناء عليها وتعزيزها لأن القطاعات التي استطاعت أن تحقق نموا في مثل هذه الظروف لاشك بأنها قادرة على النهوض بالاقتصاد الوطني في أوقات اقل شدة واكثر رخاء.

وفيما يتعلق بأداء قطاع الصناعات الاستخراجية يلاحظ بأن ما حققته شركة البوتاس العربية من فتح لأسواق جديدة في الربع الأول من العام الحالي كان له أثر مميز على أداء القطاع، ولا يفوتنا ان نشير الى ارتفاع الكفاءة والقدرات الإنتاجية وهذا ينعكس من خلال الزيادة المحققة في الكميات المباعة المصدرة؟ ويتضح ذلك من خلال ما شهدته الأسعار من تراجع الا ان الكميات المنتجة قد عوضت هذا التراجع في الأسعار، وهنا لا بد من الإشارة الى ما تميزت به إدارة البوتاس العربية من حسن تصرف وإدارة وتدبير للموارد خلال فترة كورونا مما مكنها من تعزيز القدرات ورفع مستويات الإنتاجية للموظفين، وهذا بحد ذاته درس او موقف لا يفيه حقه مجرد الإشارة اليه في هذا الاستعراض السريع مع تأكيدنا على انه يحتاج الى دراسة تفصيلية لحسن الاستفادة واستغلال هذا التطوير والتحديث الذي شهدته شركة البوتاس العربية.

كما وتجدر الاشارة أيضا الى ما تحقق في شركة مناجم الفوسفات الأردنية كمكون رئيسي في هذا القطاع من نتائج إيجابية لطالما كنا نحن بانتظارها، حيث ان ما تحقق في هذا القطاع خلال هذا الظرف الاستثنائي لهو خير دليل على ان هذا القطاع فيه الكثير من النوافذ والمزايا للاقتصاد الوطني إذا ما احسنت ادارته، واعتقد جازما ان ما حدث هو حسن إدارة وتطور هائل أدى الى هذه النجاحات في هذا القطاع، فأنه وكما أشرنا بحاجه الى مزيد من الدراسة والتحليل في مواقف أخرى.

اما على صعيد قطاع المالية والتأمين وخدمات الاعمال فقد كان الأداء مميزا فيه أيضا، اذ بلغت قيمة مساهمته بالنمو حوالي %0.42 ولا بد هنا من الإشارة الى ان هذا القطاع يضم كل من قطاعي الخدمات المالية والتأمين والتي كان لهما المساهمة الأكبر في هذا الجزء بحوالي 0.3% وقطاع خدمات العقار من خلال مساهمته ب 0.12% من النمو المتحقق في هذا الربع.

هذا وبكل تأكيد يعود بشكل رئيسي الى ارتفاع مستوى التسهيلات الائتمانية خلال الربع الأول بحوالي 6% وجاء هذا النمو بفضل جهد القطاع المصرفي والبنك المركزي وما قدماه من برامج، وهنا لا بد من الإشارة بشكل واضح الى حجم الترابطات والتداخلات التي يتمتع بها القطاع المصرفي مع القطاعات الأخرى وهذا وضع طبيعي وواضح ومكانة ويستدعي الإشارة اليه لما يتمتع به القطاع المصرفي من دور ومساهمه مباشرة وغير مباشرة هذا من جانب، ومن جانب اخر ما يتمتع به القطاع من متانه وقوة تجعله من القطاعات الاقتصادية الراسخة والمتينة في الاقتصاد الأردني، وكان له دور واضح ومميز خلال ازمة كورونا.

وتعود مساهمة قطاع خدمات العقار البارزة في النمو المتحقق، الى النشاط الملحوظ في حركة بيع العقار بارتفاعها خلال الربع الأول من العام 2021 بنحو 44 % مقارنة بنفس الفترة من العام 2019، اذ شهدت بيوعات الشقق ارتفاعاً بنسبة 24 % وبيوعات الأراضي بنسبة بلغت 51% وفقاً للتقارير الصادرة عن دائرة الاراضي والمساحة.

في الختام وعلى الرغم من تواضع مساهمته في النمو الا ان القطاع الزراعي كان له مساهمه إيجابية بحوالي 0.16 % وهي كذلك تستدعي التوقف عندها خصوصا في ظل ترسخ الفهم مؤخرا لأهمية ودور القطاع الزراعي في تحقيق الامن الغذائي والاستراتيجي كنتيجة لظروف الازمة مؤخرا.

وهنا فإن القطاعات الثلاثة التي بدونها ما كان ليحقق الاقتصاد الأردني نموا خلال الربع الأول من العام 2021 مقارنة مع الربع الأول من العام 2020 وهي قطاعات الصناعات الاستخراجية وقطاع الخدمات المالية والتأمين وخدمات الاعمال والقطاع الزراعي تستحق الدراسة بشيء من التفصيل والاهتمام لتقديم اعلى درجات الرعاية لدعم قدرتها على تحقيق مزيد من النمو الذي لطالما انعكس على معدلات النمو الاقتصادي خصوصا في مثل هذه الظروف الاستثنائية.