حين كانت بداية الحرب في سوريا كان الأردن واضحا في نسج موقفه من الأزمة، وكانت المحددات مصلحة الأردن التي تعني الحفاظ على وحدة الدولة السورية، ومنع تحول سوريا إلى أرض للتنظيمات الإرهابية، والحفاظ على أمن الحدود الأردنية مع سوريا، ولهذا كان الأردن يحذر الدول الكبرى من أن بديل نظام الأسد سيكون تنظيمات الإرهاب بحكم قوتها، وحتى العلاقات والتنسيق الذي أقامه الأردن مع بعض قوى المعارضة المسلحة فكان حماية لحدوده من جهة، ولإيجاد حالة على الارض تقف في وجه التنظيمات الإرهابية وخاصة في جنوب سوريا.

لم يكن على أجندة الأردن العمل على اسقاط النظام، وكانت الرؤية الاردنية تقوم على ضرورة وجود حل سياسي للازمة، ومازالت ذات الرؤية حتى اليوم.

ورغم ان الاردن تعرض لضغوطات من بعض الدول ليدخل في الازمة كما هو الحال مع تركيا الا ان الاردن كان هاجسه أمنه ومصلحته، وعمل مع بعض القوى في العمق السوري حماية لحدوده وليس سعيا لإسقاط النظام هناك.

اما العمل العسكري المباشر الذي قام به في سوريا فكان مع التحالف الدولي ضد داعش، ونظريا فان هذا كان فيه مصلحه للحكومة السورية التي كانت تواجه داعش ايضا.

وعندما تطورت الحالة العسكرية في سوريا بعد عام ٢٠١٣ حافظ الاردن على موقفه لكن أضيفت الى مخاوفه وجود تنظيمات طائفية او ميليشيات تتبع ايران وخاصة عندما كانت تعمل في جنوب سوريا وعلى الحدود الاردنية، ومازال هذا الهاجس موجودا، لكن الاردن كان يريد ومازال ان تكون الدولة السورية وجيشها على الحدود، فهذا يخفف العبء على الجيش الاردني في ضبط الحدود.

وعندما حققت الدولة السورية انتصارات عسكرية واستطاعت فرض سيطرتها على معظم الاراضي السورية كان هذا مريح للاردن، لان استمرار الازمة ووجود احتمالات تقسيم سوريا او سيطرة قوى التطرف امر يتناقض مع المصلحة الاردنية، ولان الاردن الذي يستضيف اكثر من مليون شقيق سوري يتمنى عودة الامور الى طبيعتها وان يعود الأشقاء الى وطنهم فهذا فيه تخفيف للعبء الكبير على الدولة الاردنية.

وباستثناء قوى ميدانية من الجنوب السوري لم يعمل الاردن على فتح الساحة الاردنية لقوى المعارضة الاخرى رغم ان شخصيات مهمة سياسية وعسكرية هربت من سوريا الى الاردن، وبقيت السفارة السورية تعمل في عمان ولم يتم تسليمها لقوى معارضة كما فعلت دول اخرى لان الاردن كان يرى في استمرارها خدمة للسوريين وايضا لانه ليس معنيا بالدخول في لعبة اضعاف النظام السوري.

اليوم اثبتت الايام صحة الرؤية الاردنية فالحل السياسي رغم انه غائب ورغم الاهمال الذي تتعرض له القضية السورية، هذا الحل مازال هو الطريق، وبشار الاسد والدولة السورية وبمساندة عوامل عديدة صمدت واستمرت وغاب حضور المعارضة السورية، وان كانت العقوبات الاميركية واثار الحرب قد اضعفت الاقتصاد السوري والمواطن السوري بشكل كبير، لكن سياسيا العالم ليس معنيا بتغيير النظام هناك، وايضا ليس معنيا بحل مشكلة سوريا ولا السوريين.

الاردن ومن ذات المنطلقات التي صاغت موقفه في بداية الحرب يتحرك اليوم نحو سوريا ونحو مصالحه، فمصلحتنا دولة سورية مستقرة وموحدة، اما من يحكمها فهذا قرار السوريين والواقع اليوم يقول ان بشار الاسد هو الاقوى، وسواء ازعجت هذه الحقيقه المعارضة السورية ام لا فانها الحقيقة، وهذه المعارضة تدرك الواقع، والاردن يتحرك نحو سوريا لان بقاء الوضع الحالي ليس مصلحة لاحد، فنحن في الاردن لنا مصلحة في فتح الابواب الاقتصادية وحتى السياسية مع سوريا، وسوريا لها مصلحة كبرى، اما العرب فهم في حيرة من امرهم يتقدم بعضهم خطوة ويعود خطوات، لكن الاردن بواقعيته السياسية يرى ان سوريا يجب ان تعود للاطار العربي، وهو امر ليس سهلا بسبب الحالة العربية ولان المفتاح عند واشنطن، ولهذا كان الملف السوري بندا مهما في زيارة الملك الاخيرة الى واشنطن.

الاردن لم يأت بشار الاسد، ولم يعمل لاسقاطه، ولم يعمل لبقائه، لكن المعادلة اليوم تقول ان بشار الاسد ونظامه هم الاقوى، وان المعارضة خسرت حربا استمرت عشر سنوات، فهل نبقي الامور على حالها ونحن جميعا متضررون!

الملف السوري الداخلي يحتاج الى عمل كثير لكن هذا امر يخص السوريين، لكن الصمت وادارة الظهر لمصلحتنا ولمصلحة سوريا بانتظار المعجزة فهذا ليس فعلا سياسيا.

حتى واشنطن فهي حريصة على مصالحها في سوريا لكنها ليست معنية بتغيير النظام، وربما تشهد المرحلة القادمة خطوات جريئة سياسيا، وقد تكون اسرع مما نعتقد.