كتابة وتصوير: مفلح العدوان

كنت هناك.. بين فيض من الجمال، وأعناق الجبال.. والجنوب عباءة مرقّشة بخيوط الشمس، ويزيد سحر اللوحة قطيع أغنام يسير بهدي الراعي، كأنه سطر على صفحة من رمل.

كنت هناك، بعد أن مشيت كل المسافة من عمان، نحو البحر الميت، في الغور، ثم جنوبا، حتى وادي عربة، وحين وصلت قرية قريقرة، سألت أين هي فينان مني، قالوا على مسافة عدة كيلومترات.

تابعت المسير، وكانت الطريق الى قرية فينان ترابية، ووعرة، وملأى بالصخور، والحجارة، والحفر، والأتربة، لكن رغم كل هذا كان هناك متعة في اكتشاف الطرق والأمكنة التي أمر بها، توقفت عدة مرات لأسأل واكتشف التفاصيل، مرة استرحت عند طاحونة ماء، ومرة قرب مقبرة قديمة، ها أنا في فضاءات فينان، محطاتي هناك هي مناجم النحاس، والبركة الرومانية القديم، هناك توجد قرية أثرية، هي فينان الأقدم. أكملت المسير حتى كانت استراحتي في الطريق في نُزل فينان البيئي الشهير، كان كل العاملين في الفندق من أبناء المنطقة، الذين تحدثوا لي كثيرا عن?فينان، والسائحين الذين يتوجهون الى هذا المكان طلبا للسكون، ولمناجاة الطبيعة، وللتفاعل مع البيئة.. تحدثوا، فانفتحت أبواب تاريخ وذاكرة وواقع فينان، من خلال تلك الجولة في المكان، وحديث الأهل هناك عن نبض معتق يسكن في فينان، وهنا يشار الى قرية فينان الأثرية القديمة، وأيضا قرية فينان الجديدة والتي يوجد فيها حوالي 450 نسمة يشكلون تعداد السكان المقيمين في هذه القرية.

تداعيات الاسم

أحاول أن أتتبع مسارات معنى اسم فينان، وهنا في تداعيات الاسم بقصة قديمة تربط بين قرية فينان وقرية قريقرة القريبة منها، إذ يشير أهل هاتين القريتين إلى أن اسم قريقرة القديم هو فيدان/ فيدون، أو (افدان كما يرد في اللفظ الشعبي)، وهو ملك قديم يحمل ذات الاسم، فارتبط اسمه بالمكان (قريقرة)، وهذا الملك له شقيق فينون كان يحكم في المكان القريب منه، واسمه ارتبط به ذاك المكان الذي صار هو فينان، وبهذا تكون قريقرة وفينان، هما قريتا فينان وفيدان أو فينون وفيدون.

ولكن في كتاب (المشترك السامي في أسماء ومعاني المدن والقرى الأردنية) للباحث محمود سالم رحال، هناك تماهٍ مع الرواية الشعبية، تحت عنوان فُونُون، حيث يشار هنا إلى أن «فونون: من مواقع العهد القديم في أرض أدوم، وردت باسم فونون. ويعتقد أنها فينان، والظاهر أنها تحمل اسم الأمير الأدومي (من بني عيسو)، فِينُون».

أما فينان، في معجم المعاني الجامع، وحين ترد برسم فَينان (اسم)، فيكون المعنى على النحو التالي: «الفَينان: ذو الأفنان. شجرٌ فينانٌ، وشَعرٌ فينانٌ: طويل حَسَن».

وفي المعجم الوسيط: «الفينان: الحسن الشعر الطويله، وهي فينانة. ويقال شعر فينان: طويل. والفينان: ذو الأفنان. يقال: شجرٌ فينان، وشعر فينان: طويل حسن.

حديث الآثار

وقرية فينان تقع ضمن وادي فينان الذي يوجد على بعد 100 كم جنوب البحر الميت، محاذ لمحمية ضانا. ويوجد فيه صخور نحاسية بكميات كبيرة، ويقع في منطقة تدعى وادي عربة محاذ لمنطقة القريقرة.

وحدود القرية كما أشار الى ذلك أهل فينان، على النحو التالي: يحد فينان من الغرب قرية قريقرة، ومن الشمال محمية ضانا، ومن الشرق والجنوب جبال الشراة. ولتكون الصورة واضحة، لا بد من تتبع أهمية وادي فينان، عبر التاريخ، إذ يشار إلى أنه تم اكتشاف آثار وادي فينان في عام 1996م، حيث أجري فيه أربع مواسم من الحفريات عامي 1997م و1998م، وكشفت الحفريات في الخندق الأول عن مبنى دائري جدرانه مبنية من الحجارة فوق الأرض مباشرة، أما في الخندق الثاني فقد تم الكشف عن مبنى دائري جدرانه مبنية تحت سطح الأرض، يحتوي على أرضية ومدفن محفو? في الأرضية، وعثر داخل المبنى على مجموعة من الأدوات الحجرية والصوانية. ودلت مخلفات العظام الحيوانية على أن سكان الموقع اعتمدوا على صيد الماعز البري، والثعلب البري، والطيور، واعتمدوا على جمع والتقاط النباتات والحبوب البرية كالشعير. كما أكتشف فيه أقدم منجم لتعدين النحاس.

الطريق القديم

وفي مرجع آخر، وسياق مختلف، حول أهمية هذه المنطقة، نجد أنه يشار الى فينان، ووادي فينان، وفينون، في كتاب (تاريخ شرقي الأردن وقبائلها)، لفريدريك ج بيك، حيث يشير في الصفحات الأولى من الكتاب الى علاقة المصريين بشرق الأردن، فيقول: «لم يقم أي دليل على احتلال المصريين شرقي الأردن، ولكن مما لا ريب فيه أن مدنيتهم نفذت اليها ولعل السبب هو الاتصال التجاري بين البلدين.. عثر على قارورة فخارية مصرية قرب منجم نحاس قديم يقع شمالي العقبة. ويحتوي وادي الفينان، أو فونون كما تسميه التوراة (في سفر الاعداد، الاصحاج 33 والعدد 42)? على أدوات نحاسية عديدة وبقايا مستعمرة مصرية كبيرة، ..، ويقول يوسيبوس سيزاريا (260-360 ب.م.) في الانوماستكون أن الحكومة المصرية القديمة كانت ترسل مجرميها الى وادي فينان ليحفروا منقبين على النحاس. يتضح إذن أن هذا الوادي إذا لم يكن قد استثمر في عهد فراعنة مصر فقد استثمر في أيام الرومان....».

سيرة الشهداء

ها أنا هناك.. ما زلت أُقلّب، بصمت، مخطوط ذاكرة المكان، وفي صفحاته كثير من القداسة، والغوص في أعماق التاريخ.. سأتلمس الآن في صفحة من المخطوط، عبق دم الشهادة والتضحية، حيث سأقرأ تحت عنوان (الشهداء المسيحيون في فينان)، وهو ما كتبه المطران سليم الصائغ في كتابه (الآثار المسيحية في الأردن)، عن فينان، في حقبة من الفترات الزمنية التي مرّت عليها، وعلى المنطقة، حيث قال: «ذكر المؤرخ يوسابيوس القيصري، في كتاب (تاريخ الكنيسة)، إنه لا يمكن أن يحصى عدد شهداء المسيح،..، من بين هؤلاء (أرسل للوالي بفلسطين سبعة وتسعون رجلا م? النساء والأطفال، وأمر فرميليانوس بحرق عضلات مفصل القدم الأيسر، وأن تقلع العين اليمنى، ثم تحرق حتى القاع بقضبان حديدية محماة، وبعد ذلك أرسلهم إلى المناجم في ذلك الإقليم، ليعانوا مشقة العمل القاسي والآلام العنيفة). وذكر أيضا أن أعداداً كثيرة لا تحصى من المعترفين بالإيمان المسيحي، جيء بهم إلى مناجم النحاس في فلسطين، وكانوا يتصرفون بجرأة عظيمة، حتى أنهم بنوا أماكن للعبادة، أما حاكم الإقليم فكان رجلا شريرا قاسيا، فاختار الأربعة الذين بدا له أنهم هم القادة، وأرسلهم الى قائد الجيوش في ذلك الإقليم، فأمرهم قائد الجيش بإنكار الإيمان، ولما رفضوا حكم عليهم بالموت حرقا. وذكر يوسابيوس أيضا أنه استشهد هناك سلفانوس اس?ف غزة مع تسعة وثلاثين آخرين، والأسقفان بيليوس ونيلوس اللذان استشهدا حرقا، والكاهن بامفيل من مدينة قيصرية. أما المناجم التي يشار اليها فهي مناجم فينان الواقعة في الأردن إلى الجنوب من البحر الميت، ولم يكن في فلسطين غيرها من مناجم، وكان آنذاك جنوب الأردن وجنوب فلسطين يدعى فلسطين الثالثة».

المقر الأسقفي!

يضيف المطران سليم الصائغ، جوانب أخرى حول القيمة الدينية لفينان، إضافة الى اسماء رجال دين ارتبطوا بالمكان، هنا، حيث يقول:وعندما انتهى عصر الاضطهاد جعل المسيحيون فينان مقرا أسقفيا تخليدا لشهدائها، وذكر التاريخ منهم الأسقف سايداس الذي وقّع على أعمال مجمع أفسس سنة 431، والأسقف قايوموس الذي وقع على ما سُمي فيما بعد بمجمع اللصوص سنة 499، والأسقف بطرس الذي شارك في مجمع القدس سنة 518، والأسقف يوحنا الذي شارك في مجمع القدس، وكان أسقفا على فينان سنة 587، والأسقف ثيودورس».

حديث الاستقرار

مكتوب في مخطوط سيرة قرية فينان، بأن الأهل المقيمين فيها هم من عشائر الرشايدة، وأنهم يعتمدون في معيشتهم على الزراعة وتربية الأغنام والعمل في الوظائف العامة الحكومية. أما بالنسبة لاستقرارهم في فينان، فإنهم متواجدون في المنطقة منذ فترة طويلة، وحيث أن فينان، ضمن وادي عربة، منطقة دافئة، فكبار القرية يتحدثون عن استقرار في الشتاء في فينان بسبب دفئها، بينما في فصل الصيف، فإنهم كانوا ينتقلون باتجاه الشوبك، حيث يكون الطقس معتدل هناك. ولكن القرية بتسميتها، فينان، تقسم الى قسمين؛ فينان القديمة (الأثرية)، وهي التي تحتوي على الخربة، والآثار القديمة، والبركة الرومانية، والطاحونة المائية، ومناجم النحاس، بينما القسم الثاني الحديث من القرية، فهو فينان الجديدة، التي يسكن فيها أهل القرية، وتتوافر فيها الخدمات الضرورية لهم، وقد كان هذا الاستقرار في فينان الجديدة في عام 2000م.

النزل البيئي

وتمتاز فينان بأنها محط أـنظار من ينشدون السياحة البرية، نظرا لجمال موقعها الخلاب، وبسبب الهدوء والسكينة التي تتمتع بها المنطقة، حيث تم إقامة «نزل فينان»، لتوفير الأجواء المناسبة للتأمل وللراغبين في السكون والصمت والعودة الى الطبيعة بتجلياتها البكر، وهو أول نزل بيئي في الشرق الأوسط، ويصنف من أفضل 50 نزل بيئي في العالم، ويعد من أفضل عشرة مواقع صحراوية في العالم.

يقع هذا النزل وسط منظومة طبيعية تحتوي تنوعا أثريا وبيئيا، تحكي قصة التطور الإنساني منذ عهود القطاف والصيد، مرورا بثورة الزراعة، فتعدين النحاس، وعهد الإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية، ثم الإسلامية، حتى عهد المملكة الأردنية الحديث.

ويتيح موقع النزل للزائر، بسبب وقوعه في وادي فينان، متعة مشاهدة التنوع الفريد في الطبيعة، مع التباين في الطوبوغرافية، والارتفاعات، من جبال رملية إلى سهوب عشبية وأودية مائية، حيث تكتسي المنطقة بأنماط نباتية مختلفة، من الأعشاب الى أشجار العرعر والبلوط والطلح والدفلة وغيرها. وقد تم تسجيل أكثر من 833 نوعا نباتيا في الوادي، إضافة الى 38 نوعا من الثديات، و43 نوعا من الزواحف، وثلاثة أنواع من البرمائيات، و217 نوعا من الطيور بما فيها 80 نوعا معششا.

كما يمتاز نزل فينان بتصميمه الفريد، وباستغلاله الطاقة الشمسية لتشغيل بنيته التحتية بعيدا عن الكهرباء التي تستبدل ليلا بالشموع. ويحتوي نزل فينان الذي يبعد حوالي 160كم عن مدينة العقبة، والذي أقامته «برية الأردن»، على 26 غرفة، ويحظى زائروه ببرنامج سياحي يشمل رحلات استكشافية سيرا على الأقدام.