عمان - شروق العصفور

في سياق احتفال الأردنيين بمرور مئة عام على تأسيس أولى البنى الإدارية والسياسية والثقافية في مشروع دولتهم الحديثة، تحتفي $ برموز الإبداع والوعي الذين أضاءوا بقناديلهم دروب المسيرة، وأسهموا بنتاجاتهم في صياغة الوجدان، ودوّنوا بإبداعهم على صفحة هذا الوطن سيرته وسرديته.

وتقدم هذه الزاوية على مدار العام تعريفا بشخصيات إبداعية تركت منجزاتها بصمات واضحة في التاريخ الحديث.

فنانة رائدة ذات إطلالة عالمية، عاشت بين أحضان الأرض العربية ودفء الأردن وساهمت في بناء الصورة الجميلة للفن الحداثي الأردني. إنها الفنانة فخر النساء زيد التي استطاعت ان تستثير كوامن الإبداع الجمالي والفكري والحضاري لخلق تيار فني منذ نهاية عقد السبعينات من القرن العشرين، فكان لها الأثر الكبير على تحولات المسيرة التشكيلية وبروز العديد من الروافد الفنية والثقافية الهامة على الصعيد التشكيلي في الأردن.

ولدت فخر النساء زيد في اسطنبول عام 1901 من أسرة اشتهرت بحب الفن والمعرفة والأدب. كان والدها شاكر باشا قائداً ودبلوماسياً مؤرخاً. درست الرسم في دار الفنون في اسطنبول ثم تابعت دراستها في باريس عام 1927 في أكاديمية رانسون حيث تطورت موهبتها ومؤهلاتها الفنية، تزوجت عام 1934 من الأمير زيد بن الحسين (شارك في قيام الثورة العربية عام 1916، وهي والدة الأمير رعد بن زيد. ومنذ ذلك العام توزعت أنشطتها ما بين لندن وبرلين وباريس بين الواجبات الدبلوماسية وفن الرسم.

كانت فخر النساء زيد، شرقية الهوى وغربية الثقافة، بدأ حبها لفن رسم الوجوه منذ مراهقتها فبرعت في رسم البورتريه متأثرة بأسلوب استاذها الفرنسي بيسيير خاصة لجهة حرية التعبير والأسلوب، ثم أخذ اهتمامها يتركز على طريقة الربط بين الشكل واللون الذي أعطته دلالات عميقة، والمتتبع لأعمالها في مختلف مراحلها من وحشية وتعبيرية وتجريدية وتشخيصية وواقعية سحرية، يلمس هاجسها في السعي نحو البحث عن الحقيقة الجوانية المتوارية في الظاهرة الفنية والكشف عن المعنى الباطن الكامن فيها. وفي هذا السياق تقول الفنانة: «يجب أن تنسى ما تعرفه? لأن ما تعرفه هو ما قد تعلمته، أما ما لا تعرفه فهو حقيقة ما في نفسك، هو الأصداء الكونية الموجودة فينا ولا ندركها».

أقيم أول معرض لأعمالها في اسطنبول عام 1944، ثم تتابعت معارضها في مختلف العواصم الأوروبية وبغداد وعدد من المدن الأميركية لتدخل أعمالها منذ ذلك الحين في مقتنيات المتاحف الفنية. وحين جاءت الى عمّان كانت تحمل خبرة خمسين عاماً من العمل الفني. وقد اختارت الأردن مستقراً لها لإحساسها بآلاف السنين من التاريخ فوق تلاله وأوديته وصحاريه، ولأهمية تراثه الفني العريق، فكانت من أوائل الفنانات اللواتي شاركن في معرض جماعي أقيم وسط آثار البترا. كما كان للفنانة فخر النساء زيد دورها المكمّل والمتوّج لكل هذه الجهود فأسست حال اس?قرارها في الأردن مدرستها الفنية التي تعد أبرز مرسم ومدرسة خاصة لتعليم الفنون للمرأة الفنانة.

لعلّ المظاهر الفطرية-الزخرفية هي السمة الغالبة التي وجدت من خلالها فخر النساء زيد لغتها الجمالية، إلا أن فخر النساء زيد لم تركن إلى أسلوب واحد، بل تنقلت في الخامات والتقنيات والأساليب فكانت رسامة ونحاتة ومصممة لأعمال نصبية. فقد أدخلت في الخمسينات والستينات، التجريد إلى الذائقة الأردنية، من خلال أسلوبها الذي يعج بالزخارف والخطوط والألوان كأنها هندسيات فسيفسائية لا يمكن النظر إليها إلا بكونها قماشة شرقية من عالم الأحلام، فضلاً عن تجارب أدخلت فيها الكتابة الحروفية المستلهمة من القيم الجمالية للحرف العربي. ولم?يكن انصرافها للتجريد يمنعها من مزاولة الموضوعات المقتبسة من ذاكرة المدن العربية وأنفاس الماضي، لذا رسمت لوحات عكست فيها الحمام التركي والفلوكلور الأردني والعادات والتقاليد، جسدت فيها روح الأمكنة والأزياء الشعبية والمناخات الإنسانية التي عاشت في كنفها وأغمضت عينيها على حبها.

كتب عنها الناقد الفرنسي أندريه بارينو دراسة نقدية مهمة نُشرت في مجلة «رسائل الفن» الباريسية في عددها (69) الصادر عام 1979، بعنوان «الأميرة فخر النساء زيد.. سفيرة الحضارات العريقة»، يقول فيه: «أمام أعمال فخر النساء زيد قد تصاب بالاحباط لأنك بحاجة لأن تكون شاعراً».

كما كتب عنها شارل ايتان والناقد والمؤرخ الفرنسي جاك لاسين الذي وصف فنها بأنه «حركة الطاقة، وحالة دائمة التكوّن». إذ لطالما كانت الفنانة تقول: «عندما أرسم، أشعر بقوة تعلو وتغمرني وتتحوّل إلى أشكال وألوان كما لو أنني وسيط يجمع ويوصل ذبذبات كل ما هو موجود وغير موجود في الدنيا».

اعتبرت لوحتها الجدارية «انشطار الذرة وحياة النبات» من اللوحات الجدارية المهمة التي مزجت ما بين تجليات التجريد في الفن الإسلامي وإيقاعات فن الزجاجيات البيزنطي، وقد بيعت في مزاد كريستز العالمي بدبي في العام 2013 بمبلغ 2.74 مليون دولار أميركي وهو ثاني أعلى رقم عالمي لفنان من منطقة الشرق الاوسط بعد الرقم الذي حققه العمل الجداري للفنان الإيراني برويز تانافولي. احتفت وزارة الثقافة الأردنية بالفنانة الراحلة عبر إعادة إصدار كتاب من تأليف الناقد والفنان الزميل حسين دعسة، عن منشورات مكتبة الأسرة الأردنية.

عاشت فخر النساء زيد حياتها للفن وتركت انتاجاً غزيراً من الأعمال الفنية بخامات متنوعة وأسلمت الروح في الأردن عن تسعين عاماً.