بينما يشتبك العالم كله في حرب ضارية مع وباء كورونا، تشتبك أميركا بالإضافة لذلك في حرب اخرى مع ما سمته صحافتها وباءً خطيرًا تقف وراء انتشاره وتفاقمه واحدة من أقدس المهن التي عرفتها البشرية عبر التاريخ ألا وهي مهنة تحضير الأدوية بعد أن حوّلها اقتصاد السوق إلى صناعة تبغي الربح ويسيطر عليها سلوكه رأسُ المال، وقبل أن يساء الظن بأني متحامل على أميركا أسوق الدليل من داخلها ومن مصادرها حول تزايد استخدام مواطنيها للأدوية الأفيونية (Opioids) لتخفيف الألم إلى حد وقوع ملايين منهم في شرك الإدمان عليها وإلى وفاة أكثر من?نصف مليون في العقدين الأخيرين بسبب الجرعات الزائدة (تسعون الفاً منهم في العام الماضي فقط)، وقد دأبت كبريات الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون خصوصاً الحرة منها على متابعة العواقب

الكارثية لذلك فيما تنظره المحاكم من آلاف القضايا المرفوعة من قبل حكومات ومجالس بلديات وعائلات متضررة في أكثر من أربعين ولاية على الشركات المنتجة والموزعة لهذه الأدوية التي يسميها تجارها للتهوين من خطورتها (مسكّنة) مع انها تحوي مستحضراً افيونياً تبلغ قوته ٥٠-١٠٠ ضعف مفعول المورفين! وقد تمت في كثير من هذه القضايا تسويات بتعويضاتٍ مالية ضخمة فاقت ٢٧ مليار دولار، ووصل الاهتمام بما حدث الى ميدان السينما فتم انتاج فيلم وثائقي بعنوان «جريمة القرن» للمخرج البارز أليكس غيبني الحائز على جائزة أكاديمية منتجي الأفلام ?ظهر فيه أن شركة كبرى مثل (بيردو فارما) التي ستدفع وحدها تعويضات بأربعة مليارات ونصف من الدولارات كانت قد أنتجت مقادير كبيرة من دواء أوكسيكونتين الذي يعطى لتخفيف آلام مرضى السرطان وهي تعلم أن السبب وراء زيادة استهلاكه التسويق غير السوي من قبل شركات التوزيع المتعاقدة معها وارتباط ذلك بوصفه بكثرة من قبل أطباء مقابل رشاوى وأعطيات تخالف الدساتير الأخلاقية للمهن الطبية، وبالتحايل على شروط مؤسسة الغذاء والدواء، والضحايا في النهاية بالطبع هم المرضى فيدفعون الثمن من جيوبهم وصحتهم او ارواحهم،والمفارقة المخزية أن أصح?ب الشركة اشقاء من عائلة ساكلرز المشهورة برعاية الأعمال والمشاريع الخيرية ويرفضون ان يعترفوا علناً بانهم تعمدوا صرف الدواء بطريقة غير أخلاقية!

هذا وقد جاء في الفيلم أيضا كما على محطة ديمو كراسي ناو (١٩/٧/٢٠٢١) وفي النيويورك تايمز (٢١/٧/٢٠٢١) ان شركات عملاقة اخرى ضالعة في تفشي هذا الوباء الدوائي كشركة جونسون آند جونسون التي صنّعت لصقات الفينتانيل للألم وسوف تدفع مع شركات التوزيع تعويضات للمتضررين تقترب من ٢٦ مليار دولار، ويتذكر الناس فضيحتها في قضية بودرة الأطفال التي تحمل اسمها وكانت تحتوي على مادة الاسبستوس المسرطنة!

وبعد.. لسنا سُذّجاً حتى نتوقع من الامبراطورية الأميركية الآن أن يحنّ قلبها فتستثني الصناعة الدوائية من نظام اقتصاد السوق لكي لا تكرر خطاياها والإضرار بصحة الناس.. على الأقل حفاظاً على شرف المهنة الطبية الصيدلانية.