لو غُربل الناس كيما لا يعدموا سقطاً

لما تحصَّل شي في الغرابيل (الشاعر المعري)

حتى تقنع الناس بأنك «ذو قيمة» عليك ان تسلك سلوكاً اجتماعياً سليماً، فلا تكذب او تنافق او تتزيّا بزي ليس حقيقة زيّك، كأن تتظاهر بالصدق بينما انت في الواقع ليس اكثر من مُهرج، يحاول ان يُقيم لنفسه قيمة بين الناس هو لا يمتلك مقوماتها.

في عصر «الانفتاح» الذي تعيشه المجتمعات النامية ومنها مجتمعاتنا العربية والاسلامية بلا استثناء باتت كلمة «الحق» مُضارة، مضطهدة. اذا نطقت بها حامت حولك الشبهات من سلطة بلادك وأنت البريء. حتى «التديّن» فقد لدى الكثيرين من الناس حقيقته، فهم يلجأون اليه لإيهام الغير انهم صادقون نحو ربهم، بينما تعاملهم مع هذا الغير لا يتم وفق القيم الاخلاقية. طبعاً انا لا أُعمم.

في كتابه النفيس «ماذا حدث للمصريين» ترد مفردات جامعة مانعة تشير الى هذه الظاهرة السلبية التي امست طبع سلوك الكثيرين من البشر الى حد افقدتهم توازنهم، وما اسوأ فقدان التوازن.

يقول د. جلال أمين في هذا الكتاب الذي تمت طباعته خمس طبعات آخرها العام 2008 ما يلي: «إني استمد شعوري بأنني «ذو قيمة» من نظرة الناس اليّ، ورأيهم فيّ، وموقفهم مني، ومن ثم نجاحي او فشلي في الحصول على هذا الشعور يتوفق على نجاحي او فشلي في اقناع الناس بأني «ذو قيمة» ومن ثم فالأمر يتوقف اولاً وأخيراً على سلوك اجتماعي». (د. جلال أمين المرجع السابق ص 52)..

هنا «مربط الفرس»–إذا جاز التعبير- سلوكك الاجتماعي هو الذي يجلب لك الاحترام، وليس «الفهلوة» التي تجيدها! «الفهلوة» مذمومة. «الفهلوة» سرعان ما تنكشف، فتخسر احترام الناس الشرفاء. «الفهلوة» مُدانة بكل المعايير. خُذ مثلاً الاسلوب المبتذل الذي يمارسه البعض وهم يسخرون من الغير دون وجه حق، مُقللين من شأنهم، يُضخمون أخطاءَهم -كما يشير المؤلف- وهي أخطاء صغيرة، أليس هذا الأسلوب منافياً للقيم الأخلاقية والإنسانية؟ كم نحن كبشر في المجتمعات النامية بحاجة آلى الترفع عن هذا الانحدار الأخلاقي! ما أحوجنا إلى تقويم اعوجاجنا ?نبدو «ذوي قيمة» فعلاً.

دعونا نترفع عن صغائر الأمور لنبدو كباراً حقاً في أعين الآخرين.

يقول جبران خليل جبران: «دع روحك تحلّق بعقلك إلى ذُرى العاطفة حتى تصدح بالنغم».

اذا نجحت في أن تحلق بعقلك فوق «الأوهام» أدركت «قيمة نفسك» أما إذا عشت مسكوناً بها، عشت شقياً. لا تحظى بحب الناس.

احترم أيها الإنسان «التواضع» وثق «أن أحلام الذين ينامون على الريش - وكما يقول جبران نفسه- ليست أجمل من أحلام الذين ينامون على الأرض».

يبقى أن أقول: حتى تكون ذا قيمة لا تضع نفسك مواضع الشبهات حتى لا يُساء بك الظن.

وأخيراً: إياك أن تكون ازدواجي الشخصية تغيّر جلدك تبعاً للظروف!