الرأي - رصد

صنع فيلم المخرج المصري عمر الزهيري، «ريش»، تاريخاً الأسبوع الماضي، عندما فاز بجائزة فئة «أسبوع النقاد» الكبرى وجائزة الاتحاد الدولي للنقاد الدوليين «فيبريسي» في مهرجان كان السينمائي، ليصبح أول فيلم مصري طويل يحقق ذلك.

منذ تأسيسها بداية القرن العشرين، أنتجت السينما المصرية ما يقارب أربعة آلاف فيلم قصير وطويل، أي ما يعادل ثمانين في المئة من الإنتاج العربي، ومع ذلك فإن عدداً ضئيلاً من أفلامها شارك في مهرجان كان السينمائي، دون أن يحظى أي منها بجوائزه، باستثناء الفيلم القصير «ستاشر» لسامح علاء، الذي فاز بها العام الماضي. فما الذي يميز فيلم «ريش» عن الأفلام المصرية الأخرى، رغم تناوله قضايا واقعية مألوفة، كالفقر المدقع واستغلال الفقراء والرجولية وتحديات النساء في مجتمع محافظ؟

الفيلم يحكي قصة ربة منزل فقيرة تعيش حياة بسيطة روتينية مع أطفالها وزوجها المتسلط والمغرور، تنقلب حياتها رأساً على عقب عندما يتحول زوجها إلى دجاجة خلال حفل عيد ميلاد إبنهما، بعد دخوله «صندوق ساحر»، ويفشل الأخير في إعادته إلى طبيعته، فتنطلق الزوجة لأول مرة خارج بيتها في مهمة لاسترجاع زوجها، لكن دون جدوى، وتغرق في الديون وتتعرض لاستغلال الرجال المراوغين. فتضطر إلى إيجاد عمل من أجل إعالة أطفالها في عالم رجولي استغلالي.

هذه المواضيع الصعبة عادة ما تطرح في الأفلام المصرية في سياق ميلودرامي، حيث الموسيقى الكئيبة، والإضاءة الداكنة والحوارات العاطفية والأداءات المفرطة والصراع بين الخير والشر، لتضفي مشاعر الحزن والكآبة. لكن «ريش» يبتعد عن الميلودراما ويستخدم كوميديا عبثية لم نشاهدها من قبل في السينما المصرية، مستحضراً أفلام المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، الذي خلق تلك الكوميديا من عبثية الواقع الفلسطيني.

لكن خلافاً لسليمان، الذي درس السينما في أمريكا وأوروبا، نشأ الزهيري على الأفلام المصرية وتأثر بأعمال أبرز أيقوناتها مثل يوسف شاهين، محمد خان ويسري نصرالله، الذي عمل معه أيضا كمساعد. وقد فاز فيلمه القصير الأول، زفير، بجائزة تحكيم مهرجان دبي للأفلام الروائية القصيرة، بينما شارك مشروع تخرجه من المعهد العالي للسينما، «ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمام بالكيلو 375»، في منافسة «سينيغونداسيو» 2014 في دورة مهرجان كان الـ 67.

فيلم مصري بحت

وفي حديث معه في مهرجان كان، أكد لي أنه يعتبر نفسه جزءاً من السينما المصرية وأن «ريش» فيلم مصري بحت، لكنه يمتلك روحاً جديدة تعكس نظرة جيل جديد.

«أنا لم أنظر إلى الفيلم كقضايا بل كمشاعر»، يوضح الزهيري، ابن الثالثة والثلاثين. «كنت دائماً أبحث عن مفاجآت في العمل الفني، مثل حركة ممثل أو حادثة ما تثير المشاعر. كما تعاملت مع الفيلم كلوحات، قاصداً المتعة البصرية في الطرح. فالأفلام التي كانت تطرح عنف الواقع بشكل فج كانت تشعرني الملل. لأننا شبعنا من دفء الواقع. فقررت أن أخلق عالماً خيالياً شعرياً بعيداً عن الواقع.»

فعلاً، «ريش» يبدو تمرداً على السينما السائدة المبنية عادة على دراما الصراع بين الخير والشر، فلا يوجد فيه خير وشر أو ظالم ومظلوم، بل يواجه عبثية واقع مر ومؤلم بعبثية أخرى في عالم سريالي يحرره من القيود العقلانية والأعراف الاجتماعية الامتثالية، فيثير السخرية والدعابة بدلاً من الكآبة والحزن.

«أنا شخصياً أميل إلى واقع تدور فيه أحداث عبثية والسينما تمكنني من فعل ذلك»، يقول الزهيري. «السحر الحقيقي في السينما هو أن بإمكانك أن تبتعد إلى أقصى الحدود في عالم آخر وتشعر بأشياء جديدة. فجئت بشخصية ربة البيت ووضعتها في هذه التركيبة الجنونية والسحر والمفاجئات الغريبة، وتساءلت عما يمكن أن يحدث لها. ذلك العالم السريالي منحني الحرية في الذهاب بعيداً في العبثية لكن بخطى واقعية أو نذهب بعيداً في ردود فعل الشخصية لتخلق مفاجآت غريبة تثير السخرية والدعابة.»

فعلاً، كوميديا ريش لا تعتمد على فكاهة وسخرية وملامح وجه الشخصية وحركاتها الجسدية أو المفارقات في تصرفاتها، فبطلته صامتة وجامدة الوجه، وتبدو كشاهدة على الأحداث السريالية الغريبة مثلنا، ما يساهم في تماهينا وتعاطفنا معها.

«نحن نشاهد الفيلم من خلال قلبها، لأنها ليست مدركة لما يحدث لها». يوضح الزهيري. «كانت لديها حياتها الطبيعية المألوفة وكانت راضية بها، لكن أحداث الفيلم دفعتها إلى عالم غريب غير مألوف لها ولا تعرف كيف تتفاعل معه. الأمر الذي يجعلها تتخذ قرارات بعكس ما هو متوقع منها. فهي ليست شخصية درامية منظمة وواعية لما تفعله، بل تستمر بالتصرف كأم ترد على حدث في لحظة ما دون التخطيط لهدف معين.»

سحر الدجاجة

لم يمنح الزهيري شخصيات فيلمه ريش أسماء ولم يحدد مكان أو زمان أحداثه، التي تتمحور حول دجاجة، تلك الدجاجة التي تحول اليها زوج البطلة. فبدلاً من أن تأكل البطلة الدجاجة عليها أن تُطعمها وتصرف على علاجها وتقدم لها الفيتامينات وتمنحها سريرها وغرفة نومها مقتنعة أنها كانت فعلاً زوجها المدلل كثير الطلبات.

الدجاجة تبدو مثل شخصيات الفيلم الأخرى، فهي غير واعية لما يحدث من حولها وراضية عن وضعها. «خلافاً للحيوانات الأخرى، مثل القطط أو الكلاب التي تعبر عن نفسها بملامح وجهها أو بصوتها، نحن لا ندري ما يدور في ذهن الدجاجة. وضعفها ككائن يجعل حضورها أقوى، بفضل المفارقة التي خلقتها. فهي تحولت لوحش، دمرت حياة العائلة بمتطلباتها دون أن تفعل شيئاً.»

لكن ظهور تلك الدجاجة التي حلت مكان الزوج هو أيضاً المحرك الذي يطور ويغير شخصية الأم من ربة بيت خاضعة لأوامر زوجها إلى مديرة شؤون عائلتها ومعيلتها. فبدون أن تدرك، تتجلى قوة أنوثتها الفطرية وتتعزز ثقتها بنفسها في صراعها على البقاء في عالم رجولي. فتتصدى للرجال الذين يحاولون استغلالها وتحقق ذاتها وتصبح مستقلة بقراراتها.

على الأغلب أن «ريش» سوف يستمر في حصد جوائز المهرجانات السينمائية بفضل طرحه الفني الراقي. لكن التحدي الأكبر الذي سيواجهه سيكون مع أفلام السينما السائدة والهوليوودية في دور العرض المصرية والعربية. فهل سيسحر رواد السينما بعالمه العبثي السريالي، مثلما سحر حكام مهرجان كان؟