في نشوة إعلامية صاخبة بـ«النصر/والإنجاز التاريخي» الذي يُضاف إلى سلسلة الإنجازات «التاريخية», التي سجّلتها تل أبيب في العامين الأخيرين, أعلنت وزارة خارجية العدو الخميس الماضي إنضمام الكيان الصهيوني الى «الإتحاد الإفريقي» بصفة «مُراقب», وهي صفة تمنحها المنظمات/الاتحادات الإقليمية والدولية لدول تربطها بها علاقات خاصة, تحرص تلك «المنظمات» على التواصل مع الدول التي أسبغت عليها صفة المراقب, كي تكون حاضرة في نشاطاتها/مؤتمراتها وبخاصة على مستوى القمة والإجتماعات الطارئة, التي تبحث في قضايا وملفات ذات أهمية وأبعاد?خاصّة ومؤثّرة.

وإذ اعتبرت خارجية العدو ذلك الإنجاز «الدبلوماسي» بأنه يوم احتفال بالعلاقات الإسرائيلية/الإفريقية، كان نتاج عمل دؤوب من قبل الوزراة وقسمها الإفريقي والسفارات الإسرائيلية في القارة, واصفة ما حدث بانه تصحيح لـِ«الشذوذ» الذي وُجد طوال ما يقرب من عقدين، ما سيعزّز نسيج العلاقات الخارجية لإسرائيل «وسـيُساعدنا على تعزيز انشطتنا في القارة الإفريقية ومع الدول الأعضاء في المنظمة».

من المفيد هنا التذكير بـ«الجدار» الصلب الذي كانت معظم القارة الإفريقية أقامته في وجه الدولة الصهيونية منذ قيامها, والذي لم تخترقه سوى قلّة من الدول التي ناصبت خصوصاً مصر الناصرية العداء, مثل أثيوبيا/هيلاسلاسي وبعض المُستعمرات الفرنسية والبريطانية وخصوصاً النظام العنصري في جنوب إفريقيا, الذي لم يتورّع عن التعاون النووي مع تل أبيب بل سمح للأخيرة بأن تجري تجارب نووية على أراضي وصحارى دولة الأبارتياد، وقد وصل الدعم الإفريقي للقضية الفلسطينية والقضايا العربية عموما ذروته خلال حرب أكتوبر/73 على نحو لم تتردد الدو? «القليلة» التي كانت تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب في قطع علاقاتها معها وسحب سفرائها.

مياه كثيرة جرت بعد ذلك في أنهار القارة السوداء وخصوصاً نهر النيل والبحيرات المُرّة, ما سمح لإسرائيل بالتغلغل/العبث بالخلافات البينية وخصوصاً الحروب الأهلية, وتلك التي رفعت راية الإنفصال كما في جنوب السودان وإقليم بيافرا النيجيري والحرب الأرتيرية/الأثيوبية(قبل استقلال الأولى), وعرض مساعدات زراعية وأخرى فنية وتسليحية وتنظيم زيارات لدولة العدو على نحو بدأت فيه إسرائيل تخترق معظم العواصم, حتى بتنا أوائل تسعينات القرن الماضي كذلك في العقد الثاني من القرن الجديد، نشاهد الإستقبالات الحاشدة المُرحِّبة بنتنياهو وال?فود الصهيونية متفاوتة المستوى والأهمية, لتجد إسرائيل نفسها اليوم تقيم علاقات دبلوماسية مع «46» دولة إفريقية, ولديها «شراكات» واسعة النطاق وتعاون مشترك في العديد من الدول والمجالات المختلفة, من أصل «55» دولة أعضاء في الاتحاد الإفريقي (بينها دول عربية).

هذا أيضاً يعيدنا الى «الإجتياح» الدبلوماسي الصهيوني لدول أوروبا الشرقية التي كانت بعضها جزءاً من الإتحاد السوفياتي, وغيرها من التي انضوت تحت منظومة الدول الإشتراكية ,إضافة بالطبع الى ما أنجزته إسرائيل من إختراقات في دول لم تكن تعترف بها أو تقيم معها أي نوع من العلاقات مثل الصين والهند وفيتنام, فضلاً عن دفء في علاقاتها مع دول إسلامية كبرى مثل أندونيسيا بما هي أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان, ناهيك عن نفوذها الآخذ بالتعظم ف دول أميركا اللاتينية. ومحظور أن ننسى ما لديها من حضور طاغٍ, نافذ وضاغط في القارة ?لعجوز/اوروبا.

والحال إن ما تحقّقه إسرائيل من نجاحات على الصعيدين السياسي والدبلوماسي, لا يمكن مواصلة الحديث بأنه ما كان لِيتم لولا الدعم الأميركي والغربي بشكل عام، بل هو نتاج جهود دبلوماسية دؤوبة ومكثفة لا تتوقف تل أبيب عن بذلها بمثابرة ومكر. فيما تُراوح الدبلوماسية العربية مكانها, مُواصِلة ضخ المزيد من «الكلام» عن الماضي والتذكير بمحطاته, دون أن يعي القائمون عليها أن قطار «الأمس» قد غادر محطته وتعطّل منذ نصف قرن, في عالم يواصل التغيّر على نحو غير مُتوقع, وخصوصاً لا يُبدي إكتراثاً بالذين يُثرثرون ولا يفعلون كما هم عليه ?عظم عرب اليوم. وقد لا يكون مُستبعدا ان نصحوا ذات صباح على دعوات مشبوهة تنادي بمنح اسرائيل صفة «مراقب» في الجامعة العربية. أو يتنطح أحد لـ"دفن» الجامعة التي شاخت, «مُقترحاً» منظمة إقليمية جديدة تحت مسمى «منظمة دول الشرق المتوسط وشمال إفريقيا», بعد ما نجح الأعداء في شطب مُصطلح «العالم العربي».

kharroub@jpf.com.jo