اختتم جلالة الملك زيارته التاريخية إلى الولايات المتحدة الأميركية، والتي التقى خلالها الرئيس بايدن وكبار المسؤولين الأميركيين السياسيين والعسكريين، ورؤساء وأعضاء اللجان في مجلسي النواب والشيوخ، حيث تعددت الموضوعات محل النقاش وتنوعت لتشمل الأوضاع المحلية في الأردن والقضايا الإقليمية والدولية.

وتتمثل أبرز نتائج هذه الزيارة الملكية الناجحة في أن الأردن قد استعاد دوره الإقليمي كشريك استيراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، وبأنه قد نجح في إعادة طرح نفسه كدولة محورية في الشرق الأوسط لها دورها وثقلها الجيوسياسي في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالسلام، وإحياء العلاقات العربية بين دول المشرق. كما تمكنت الدبلوماسية الملكية من لفت أنظار أصحاب القرار في الدولة الأكثر تأثيرا في العالم إلى أن الأردن يجب أن يبقى وعلى الدوام شريكا في العمل لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة، سواء تعلق الأمر بالصراع الفلسطيني الإس?ائيلي، أو الدور المستقبلي لبعض الدول المجاورة كالعراق وسوريا.

وما يميز هذه الزيارة من ناحية الدستورية أنه قد جرى تقديم ولي العهد سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني إلى جهات صنع القرار الدولي، حيث لوحظ مرافقة الأمير الشاب لوالده في كافة زياراته، وحديثه السياسي إلى الرئيس الأميركي، فلقي الإعجاب والإشادة التي يستحقها. وهنا، تظهر نوايا الأردن الرسمية بشكل واضح، أنه سيسعى وبكل قوته إلى استغلال علاقاته الودية مع الإدارة الأميركية الحالية على مستوى رأس الدولة وولي عهده، وبأن السنوات الثلاث القادمة من وجود شخص الرئيس بايدن في سدة الحكم ستكون حاسمة لحل القضايا العالقة في ال?نطقة. فالتجارب السابقة في الرئاسات الأميركية أثبتت أن لشخص الرئيس دور كبير في تغيير السياسية الخارجية للدولة، وتفضيل دول على أخرى انطلاقا من اعتبارات أقل ما يمكن القول عنها أنها بعيدة عن الصالح العام. فالإدارة الأميركية السابقة قد شجعت السلام الإقليمي على حساب السلام الفلسطيني الإسرائيلي، بشكل لفت الأنظار عن القضية المركزية، وهي حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.

وتبقى المسؤولية على عمان من الداخل كبيرة. فالنجاح الملكي في توطيد العلاقة الأردنية الأميركية لن تكون محل ترحيب شخصيات وعواصم اعتقدت أنها قد أزاحت الأردن عن الخارطة السياسية في المنطقة. لذا، يجب على المسؤولين الحكوميين أن يعوا الدور الجديد القديم للأردن في الأيام القادمة، وبأن النجاح الخارجي يجب أن يرافقه تمتين في الجبهة الداخلية الوطنية، من خلال التأطير لعملية إصلاح شاملة تنقل الديمقراطية النيابية الأردنية إلى مرحلة جديدة تقوم على أساس التعاون في إدارة شؤون الدولة بين القيادة والشعب. فلا يمكن للأردن أن ينج? خارجيا دون تشاركية حقيقية تتجاوز الأزمات والتحديات الوطنية على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إن الخطوات الملكية في الإصلاح الداخلي في الأردن قد شاركها جلالة الملك مع المسؤولين الأميركيين، وفي مقدمتها لجنة تحديث المنظومة السياسية، والتي يجب النظر إليها بعين التفاؤل بأنها ترسم ملامح مرحلة جديدة متدرجة من الإصلاح السياسي والدستوري. فالجميع مدعو اليوم إلى أن يقف في خندق واحد، هو خندق الوطن، فيترفع عن المناكفات الفردية والمصالح الشخصية الضيقة لصالح النظر نحو غد أفضل. فالأردن الصغير بحجمه والقليل بموارده، كبير بقيادته التي هي محل احترام وتقدير عند قيادات دول العالم. وهذا هو الأساس الذي يجب الاعتماد عليه?لإعادة تعريف الدور الإقليمي الأردني في التعامل مع المستجدات القادمة.

أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق/الجامعة الأردنية