لعل أكثر ما يُميز الموقف الأردني من القضايا الإقليمية والدولية، إضافة إلى اعتداله وحكمته، هو ثباته.

الموقف الأردني، منذ نشأة الدولة وعبر المئوية الأولى من عمرها المديد، تميز بأنه أُسس على عدة قواعد متينة حكمت علاقته مع غيره من الدول، سواء من داخل الإقليم أم من خارجة.

عربياً، يقوم الموقف الأردني على احترام الدول الشقيقة، وعلى نصرة قضاياها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية إلا بما يخدم وحدتها وهيبتها وتضامنها وصالحها العام.

وإذا نشب أي خلاف بين الأشقاء، يكون الأردن أول المبادرين لإصلاح ذات البين والحرص على وحدة كلمة الأمة واستقلالها ورفعتها، ويعقد المؤتمرات والملتقيات على أرضه أو خارجها بهدف تنقية الأجواء وتوحيد المواقف.

وعندما تحتاج أي من الدول الشقيقة إلى عون ونصرة ضد أي أخطار خارجية محدقة، يبادر الأردن بإمكاناته المتواضعة لتقديم يد العون.

الموقف الأردني العربي العروبي واضح وضوح الشمس، وعمل الأردن ويعمل لأجله منذ نشأة الإمارة وإلى يومنا هذا.

أما دولياً، فموقفه يقوم على احترام الدول والأعراف الإنسانية النبيلة، والانخراط في المعاهدات والاتفاقيات والمنظمات التي تُعلي من شأن حقوق الإنسان والقضايا الإنسانية.

ونتيجة لذلك كوّن الأردن علاقات طيبة، تقوم على تقدير سياسته واحترام مواقفه، استغلها من أجل تنمية مجتمعه وتطوّره ورفعته، وخدمة القضايا العربية العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وما يميز الأردن كذلك، على المستويين الإقليمي والدولي، أنه مناصر للسلم العالمي، ويدعو إلى حل جميع الخلافات والقضايا التي تنشأ بين الدول بالحسنى والحوار والسُّبل الحضارية.

نسوق هذا كلّه لنضع النجاح اللافت الذي حققته زيارة جلالة الملك لواشنطن ولقاءه المثمر مع الزعيم الأميركي المعتدل جو بايدن ومع العديد من أعضاء إدارته والمسؤولين الأميركيين الآخرين المؤثرين في السياسة الأميركية ومواقفها من العديد من القضايا، بما فيها قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

فالحفاوة والاهتمام اللذان استقبل بهما جلالته والوفد المرافق كان أحد أهم أسبابهما الاحترام الأميركي للموقف الأردني الإنساني الثابت الذي وصفناه أعلاه، إضافة إلى حكمة جلالته واعتدال سياساته ومواقفه وأساليب التخاطب الرفيعة التي يمتلكها، إضافة إلى صدقية آرائه ومقترحاته البناءة التي تأخذ بعين الاعتبار مصلحة الجميع، وتغلّب لغة الحوار والنقاش على التصعيد والخلاف، وتغلّب الحلول السلمية المُنصِفة على التناحر وسلب حقوق الآخرين.

نعم، إن موقف الأردن الحضاري الإنساني الحكيم، طيلة قرن من الزمن، وجهود جلالته المضنية واحترافيته عبر عقدين كاملين ونيّف، هما اللذان يقفان وراء صمود الأردن وقوته ومنعته، ووراء الثقة الدولية المستحقة التي يتمتع بها.