إن اعتماد الأردن في إدارة الكثير من علاقاته الخارجية لم تأت من فراغ، خاصة وأن التوجهات العامة للسياسة الخارجية الأردنية كانت دائما رهينة تفاعل العديد من المحددات التي ارتبطت بصورة النظام الدولي والإقليمي الذي تعيش في إطاره الدولة الأردنية. فالموقع الجيوستراتيجي للأردن، وقدراته العسكرية والاقتصادية وطبيعة تركيبته الاجتماعية وطبيعة التهديدات التي يواجهها في خضم هذه التفاعلات كلها عوامل كانت حاضرة ومؤثرة في توجهات صانع القرار الأردني على المستوى الخارجي، خاصة في فكر جلالة الملك عبد الله الثاني، الذي سطر منذ ت?ليه دفة الحكم الأردن عام 1999 نشاطا مكثفا في قيادة الدبلوماسية الأردنية نحو تحقيق المصالح الوطنية للمملكة الأردنية في مرحلة اتسمت بحالة من الفوضى الإقليمية والدولية منذ بداية الألفية الثانية لهذا القرن ولغاية يومنا هذا.

ويبدو أن القراءة الواعية والثاقبة للوضع الدولي والإقليمي من قبل جلالة الملك قد تزامنت مع منظور الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة جو بايدن التي تعي تماما أهمية دور الدولة الأردنية في استقرار إقليم الشرق الأوسط. فالأردن ورغم شح طاقاته الاقتصادية والعسكرية يمتلك موقعا جيواستراتيجيا يؤهله لأن يكون أحد المفاتيح الرئيسية في أمن واستقرار المنطقة؛ خاصة وأن الدبلوماسية الملكية التي يقودها جلالة الملك سواء كانت على المستوى الإقليمي أو الدولي تتسم بشفافية واعتدال تحظى بقبول واحترام أهم معاقل القرارات العالمية وعلى رأس?ا واشنطن. ومن هنا لا نستغرب بأن يكون الملك الأردني أول زعيم عربي يتم استقباله في البيت الأبيض لمناقشة الملفات الساخنة في الإقليم والتي لا يمكن أن تنفك في تشابكاتها عن المصالح الوطنية الأردنية.

الدبلوماسية الملكية التي بدأت في التاسع عشر من الشهر الحالي لعام 2021 جاءت في وقت ملائم جدا لاستعادة الدور الإقليمي الأردني الذي تم تهميشه في السنوات الأربع الماضية في ظل إدارة الرئيس السابق ترمب التي اصطدمت بموقف أردني رافض لصفقة القرن وللسياسات الأميركية والإسرائيلية تجاه الحقوق الفلسطينية. ويبدو أن تغير توجهات الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط بقيادة بايدن قد بدأت بإعادة حساباتها تجاه تخبط السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وتجاه الدور الأردني في المنطقة، كأحد مفاتيح الاستقرار الإقليمي؛ خاصة وأن العلاقات?الأردنية-الأميركية تضرب بجذورها الى عام 1957 وقد وصلت إلى مستوى من الشراكة والتحالف الاستراتيجي خلال العقود الأخيرة جراء موقف الأردن من عملية السلام عام 1994، وانضمام الأردن عام 1995 لمبادرة الحوار الأطلنطي-المتوسطي التي طرحها حلف شمالي الأطلنطي عام 1994، ووجود اتفاقية التجارة الحرة بين الطرفين، التي فتحت آفاقا من الشراكة الاقتصادية بين البلدين تمثلت بحجم تجاري بلغ 3.2 مليار دولار-منها 1.86 صادرات أردنية للولايات المتحدة- لعام 2020، وما قيمته 2.2 مليار دولار من الاستثمارات الأميركية الموجودة في الأردن.

لا شك أن الدبلوماسية الملكية بقيادة الملك عبد الله الثاني قد عملت بذكاء على توظيف المكانة الإقليمية التي يحظى بها الأردن وجلالة الملك لتحقيق أهداف زيارته. ويظهر ذلك من خلال الآتي:

التواصل مع أهم مفاتيح صناعة القرار الأميركي. فالملك يدرك تماما بأن القرارات الأميركية تجاه المنطقة لا تختزل بشخص جو بايدن؛ من هنا عمل جلالته على تنويع لقاءاته مع مفاتيح الإدارة العليا الأميركي في البيت الأبيض، ومع قيادات الكونغرس الأميركي من الحزب الديمقراطي والجمهوري، وحتى النخب السياسية والاقتصادية التي تشكل الـ Think Tanks لصناع القرار في الإدارات الأميركية المختلفة في محاولة لتحقيق المصالح الأردنية والعربية في ظل تطابق الرؤية الأردنية والأميركية تجاه العديد من ملفات الإقليم.

العمل على تأمين الدعم العسكري والاقتصادي للمملكة وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين لتمكين الأردن من تحقيق مصالحه الوطنية في مواجهة الآثار السلبية لمخرجات أزمات الإقليم، مما يعيد للأردن دوره الإقليمي التقليدي النشط في نقل وجهة النظر العربية للإدارة الأميركية.

توظيف الدور الأردني في خدمة القضايا العربية ومحاولة نقل وجهة النظر العربية لدوائر صنع القرار الأميركي بما يحفظ الحقوق العربية والاستقرار الإقليمي، ويحول دون تفجر المزيد من الفوضى الإقليمية. من هنا شدد جلالة الملك على محورية القضية الفلسطينية كأهم الملفات التي نوقشت مع الرئيس بايدن بهدف الدفع بجهود تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس بناء السلام العادل والشامل الذي يضمن حقوق الفلسطينيين بإنشاء دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس مع الإشارة إلى ضرورة إيقاف الاعتداءات الإسرائيلية ووقف الزحف الاستيط?ني على الأراضي الفلسطينية. ويتوقع كذلك أن جلالة الملك قد نبه الرئيس الأميركي إلى ضرورة التوصل إلى حل سياسي معقول للأزمة السورية من خلال الـتأكيد على وحدة الأراضي السورية، وإعادة النظر بتطبيق «قانون قيصر» ضد الاقتصاد السوري خاصة وأن درجة التشابك بين الاقتصاد السوري والأردني كبيرة جدا، وكذلك من خلال محاولة التوسط لعودة سوريا للصف العربي بهدف الحد من النفوذ الروسي والصيني والإيراني -الخصوم التقليدية للولايات المتحدة- تجاه دمشق. الأمر نفسه ينطبق حول ضرورة محاولة خلق الاستقرار السياسي والاقتصادي في كل من العراق?ولبنان واليمن للحيلولة دون تحول هذه الدول إلى دول فاشلة Failed States خاصة في ظل تنامي النفوذ الإيراني فيها. وأخيرا فإن مسألة تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب كانت من الملفات المتجددة على طاولة النقاش الأردني-الأميركي، خاصة وأن الأردن يقع في بؤرة انتشار العناصر الإرهابية في عدد من الدول العربية (العراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر) منذ تفجيرات عمان عام 2005 وبعيد انطلاق مرحلة الربيع العربي، مما جعل الأردن أحد شركاء الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب منذ انضمامه للتحالف الدولي ضد داعش عام 2014، ومنذ توقيعه لاتف?قية الدفاع المشترك مع واشنطن في آذار 2021.

لا شك أن الأردن بدبلوماسيته الملكية بات يشكل جسرا آمنا وموثوقا لمرور عربة الحلول السياسية في المنطقة، استنادا للرؤية الأردنية المعتدلة والتي تتوافق مع الرؤية الأميركية حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية، إلا أن نجاح هذه الدبلوماسية لن تكون سهلة المنال ولن تلقى آذانا صاغية في دوائر صنع القرار الأميركي ما لم تستند إلى رأي عام أردني ودعم سياسي عربي واسع لموقف الأردن الذي طالما انحاز لقضايا وحقوق الشعوب العربية العادلة في كل زمان ومكان!

رئيس قسم العلوم السياسية/جامعة اليرموك