لقد دأبت الدول والمجتمعات، على أن تلجأ زمن الصعوبات وخطير التحديات، إلى حكماء العالم، فيقاربون بين المفاهيم، ويقللون نقاط الخلاف والاختلاف، ويعززون محاور الالتقاء بين وشائج الإنسانية، فيحيون الأمل بين الشعوب. وهذا أمر جلي على مر التاريخ، لا تستغني عنه العلاقات الدولية في ديمومة تكوين الحضارة الإنسانية.

وأما في زمن الوباء الذي حل ولما يرتحل بعد. فإن الحاجة ماسة ليلتقي الحكماء من أصحاب القرار في العالم، فينعمون النظر في المستجدات، ويعملون على صناعة رؤية تعطي الشعوب نبضًا للحياة حينما ضاقت الأرض بما رحبت، ولم يعد هناك أمل بعد الله، إلا بخطوات لتصويب أخطاء وقعت في كثير من الدول، وكان للوطن العربي منها أوفر الحظ والنصيب، مع محاولات حثيثة لمنعها من قبل قيادات تتطلع إلى أفق أوسع، وتمنع تضييق الخناق على الأمة.

فالظرف الاستثنائي الذي نعايشه إقليميا، يستدعي الصمود في وجه التحديات، مما حدا بالمملكة الأردنية الهاشمية التي حظيت –بفضل الله- بواحة الأمن والأمان، أن تكون الملجأ الآمن ليس في الدخول إلى أراضيها والتقاط المنكوبين أنفاسهم من هواء الأردن فحسب، بل، أن تكون أُنموذجا يُحتذى في إدارة المواقف العصيبة، وتجاوز مراحل متنوعة بعضها أشد من بعض، والخروج من الأزْمات بأقلّ تكلفة وأسرع وقت. فلم يعد خافيًا أن الكثيرين أُعجبوا بحكمة التصـرفات في مواجهة التحديات المتعددة، ومتابعة القضايا المستجدة ومنع تفاقمها، في حين كان الفيروس كسلسلة جبال تعيق الحركة والتفكير في كثير من البلاد.

لقد كانت السنتان الماضيتان محكا للعالم بِأَسره، واستطاعت المملكة الأردنية الهاشمية بقيادتها الحكيمة، وبجسارة القرارات المدروسة أن تصبح محط أنظار العالم. فكانت الخطوات التاريخية التي ينتهجها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ذات جدوى سياسية بالغة، وعمق استراتيجي يتلاءم مع المكانة التي بوّأنا الله فيها «أردنيين» قيادة وحكومة وشعبًا.

ومع استلام الرئيس «بايدن» زمام الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، تسارعت دول العالم إلى مد جسور الثقة مع الإدارة الجديدة، في محاولة لإضفاء صورة أنقى على خريطة العالم، ترتسم بألوان المودة والاحترام وإعطاء كلّ ذي حق حقه.

وفي خطوات تاريخية تتويجًا لجهود القيادة الأردنية، تأتي الزيارة الأولى من بين الدول العربية، إلى البيت الأبيض، للقاء يجمع بين ملك الأردن –الضيف- ورئيس الولايات المتحدة –المُضيف-، وتحمل هذه الزيارة العديد من المضامين، نُجمل أهمها بالآتي:

أولا: مكانة الأردن بين الدول –عربيا وإقليميا- ومع أن الدول العربية لها مكانتها، ولها تاريخها والوطن العربي، بمثابة الجسد الواحد وكذلك الأمة الإسلامية، إلا أننا أمام مكانة نحظى بقيادة سليل الدوحة الهاشمية، فضلًا عن حكمة تجسدت أمام أنظار العالم في التعامل مع الأحداث مما ذكرناه آنفًا.

ثانيًا: إن المحاور الاستراتيجية التي يناقشها العالم في المنطقة العربية، وتحديدًا قضية فلسطين الخالدة، لا ينفك أن يكون الأردنّ أساسًا في تلك المحاور، ومكوّنًا بالغ الأهمية في القرارات السياسية بأبعادها المتعددة.

ثالثا: تأتي الزيارة بعد إعداد وتهيئة وإشهار وإعلام، بأبعاد استراتيجية، مما يؤكّد سلامة العلاقات الدولية بين الأردن والولايات المتحدة من ناحية، وبين الأردن ودول العالم من ناحية أخرى، وفائدة ذلك كله: اطمئنان المستثمر المحلّي والدوليّ على تراب الأردن، وأن الاقتصاد بخير –والحمد لله- فتلك مؤشرات هامة وذات جدوى للاقتصاديين.

رابعًا: الراحة النفسية للشعب الأردني: فهذه الزيارة التاريخيّة تعتبر محل فخر واعتزاز للأردنيين، وتعطيهم ثقة أوسع بالنسيج الأردني الداخلي وتزيد متانته فضلا على ما هو عليه من مستوًى عالٍ.

خامسا: تعتبر هذه الزيارة رسالة إلى أهل فلسطين: بأن الأردن حامل الوصاية على المقدسات، ما زال يتبوّأ مكانته في الصدارة بين الدول، وأن قضيتهم العادلة هناك لها ملك هاشمي يدافع عنها..

إنّها الأردن بقيادتها الهاشمية التي دأبت على نشر الوعي بين الأمم عن القضايا العربية والإسلامية، وصاحبة المبادرات الأممية الإنسانية، إنها الأردن بقيادة تحظى بمحبة وتقدير، لأنها تعرف ما تغرف، وتنظر إلى جوانب القضايا لإيجاد حلول لها، لا لتعقيدها.

جلالة الملك.. زيارة ميمونة وعودة حميدة بإذن الله تعالى.